لقد أطاحت تفجيرات العاصمة مدريد، التي وقعت في شهر مارس من العام الماضي 2004، بذلك التحالف القائم وقتها، بين رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أثنار، والرئيس الأميركي جورج بوش، علماً بأنه التحالف الذي مثل تحدياً سافراً، لمعارضة الأغلبية الإسبانية لمشاركة بلادها في شن الحرب على العراق. وكان أثنار قد خاض ذلك التحدي، طمعاً في وضع بلاده في مقدمة الدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة، وتقديم نفسه على أنه شخصية عالمية مرموقة. ولكن أدى سوء تعامله مع التفجيرات التي شهدتها بلاده، بمحاولة إلقاء اللوم والمسؤولية عنها، على حركة إقليم الباسك الانفصالية، إلى هزيمته في أول معركة انتخابية تلت تلك التفجيرات. وكما نعلم فقد سارع خوسيه لويس ثاباتيرو، إلى إعادة الجنود الإسبان إلى البلاد، بمجرد توليه منصب رئيس الوزراء، خلفاً لأثنار.
أما في إيطاليا، فليس مستبعداً أن يؤدي مقتل ضابط المخابرات الإيطالية، فليبو كاليباري، على يد قوة عسكرية أميركية في نقطة تفتيش في مطار بغداد مؤخراً، إلى فض تحالف شخصي شبيه، يربط هذه المرة بين الرئيس جورج بوش، وحليفه الإيطالي سيلفيو برلسكوني. صحيح أنه ليس هناك في إيطاليا حملة انتخابية مرتقبة قريباً، غير أنه يتعين على البرلمان الإيطالي، أن يصوت على قرار جديد، يتعلق بتمويل الإقامة المؤقتة لـ3000 جندي وشرطي إيطالي في العراق. والمعلوم أن هذه القوة توجد اسمياً تحت مسمى "قوات حفظ السلام"، حيث لا أمن ولا سلام هناك حتى الآن.
واليوم فإن الشارع الإيطالي، يمور بالغضب ومشاعر الاحتجاج على مصرع ضابط المخابرات الذي يتولى رئاسة الوحدة الاستخباراتية الإيطالية في العراق، وإصابة الصحفية الإيطالية جيليانا سغرينا، التي تمكن الضابط القتيل من تخليصها من براثن مختطفيها قبيل مصرعه بقليل. يذكر أن الضابط كاليباري، كان قد لقي مصرعه، أثناء تغطيته لجسد الصحفية جيليانا، لحظة إطلاق الرصاص عليهما، حرصاً منه على حمايتها. لكن وعلى رغم ذلك، فقد أصيبت الصحفية بجراح بليغة، نتيجة للشظايا والطلقات، التي أكد بعض الناجين منها، أنها كانت صادرة عن مئات الدورات النارية المنطلقة من فوهات البنادق الأوتوماتيكية. ومن جانبهم أكد الإيطاليون الذين تعرضوا للهجوم، أنهم كانوا يقودون السيارة بسرعة بطيئة، وأنهم لم يتلقوا إنذاراً من أحد، خلافاً لرواية الجنود الأميركيين الذين قادوا الهجوم عليهم. ومن بين الناجين من الهجوم، ضابط استخبارات إيطالي آخر، كان يتحدث لحظتها هاتفياً مع مسؤوليه في روما، نفى من جانبه أن تكون هناك أية إشارات أو لوحات إنذار على الطريق، حتى اللحظة المفاجئة التي وجهت فيها كشافات الضوء على السيارة التي كانت تقلهم، وبدأ إطلاق النار على الفور.
أما الحكومة الإيطالية، فقد أعلنت من جانبها عدم كفاية الاعتذار الأميركي المقدم عما حدث، ووعدها بفتح تحقيق حوله، ووصفها للواقعة بأنها "حادثة مروعة". إلى ذلك، صرح وزير الخارجية الإيطالي، جيان فرانكو فيني يوم الثلاثاء الماضي، قائلاً إن الرواية الأميركية في وصف ما حدث، تتناقض وأقوال الإيطاليين الناجين من الهجوم، مما يجعل من الأهمية بمكان، استجلاء الأمر والحقيقة، وتوضيح كافة الجوانب التي لم تتضح بعد، في حادث الهجوم. بل ذهب الوزير إلى مطالبة الولايات المتحدة بالتعرف على الجناة ومعاقبتهم على ما فعلوا. وهذا المطلب الأخير، ليس مرجحاً له أن يتحقق، طالما أن الموقف الأميركي القائم حتى الآن، هو أن الجنود المعنيين، قد تصرفوا وفقاً للأوامر السارية المعطاة لهم. هذا هو ما أكده القادة العسكريون الأميركيون بقولهم إن السيارة الإيطالية التي استهدفها الهجوم، كانت تسير بسرعة كبيرة، ولذا فقد كان المرجح تخطيها لنقطة التفتيش، دون الوقوف عندها، كما تقتضي الأوامر والإجراءات الأمنية. ولكن الحقيقة هي أن القوات الأميركية كانت على علم بالمهمة الإيطالية، بل وعلى علم بأنه ستكون ثمة سيارة إيطالية رسمية في طريقها إلى المطار، في تلك الليلة. بل أكثر من ذلك، كان واضحاً أن السيارة الإيطالية نفسها، قد سبق لها أن مرت في الرحلة ذاتها، بنقاط تفتيش، دون أن تتعرض لأي هجوم مثل الذي تعرضت له أخيراً.
من جانبه، لا يزال رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني يصر، على أن الوجود العسكري لإيطاليا في العراق، قد جعل من إيطاليا، أقرب الدول الأوروبية وأكثرها تحالفاً مع الولايات المتحدة. ومن رأيه أن هذا التحالف سيثمر ثماره قريباً، بجعل إيطاليا جسراً يصل بين كل من أميركا وأوروبا وبلدان الشرق الأوسط. يذكر أن السياسة الخارجية الإيطالية، اتسمت بالمباشرة والوضوح منذ أيام الحرب الباردة. وتقوم هذه السياسة على دعامتين أساسيتين هما، العمل على توحيد القارة الأوروبية، والبقاء في قلب التحالف الأطلسي. لكن ونظراً للثقل السياسي للحزب الشيوعي الإيطالي، فقد كانت هذه السياسة مثار جدل وخلاف كبيرين في الشارع والأوساط الإيطالية. والمعلوم أن إيطاليا، لم تسع للعب أي دور عالمي يذكر، في الس