صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

تراجع ترامب واستراتيجية العرب

عندما انتُخِب دونالد ترامب للمرة الأولى رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، دعيتُ الأصدقاء العرب لتوخي الحرص وعدم وضع كل البيض في سلة واحدة، لأنني كنت أدرك أنها ستتأر قريباً. وفي ذلك الوقت، كان كثير من العرب الذين شعروا بضياع أملهم الأولي الذي شعروا به في وعد إدارة أوباما، حريصين على الاعتقاد بأن ترامب سيضع سياسة حازمة بشأن سوريا وقضايا أخرى في المنطقة، وسيلتزم بتعهده بصياغة «صفقة القرن» التي تضع حداً عادلاً للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وفي الاستطلاع الذي أجريناه في خريف عام 2017، وجدنا أن المستجيبين العرب في بعض الدول العربية المهمة لديهم على الأقل بعض التوقعات بأن التغيير الإيجابي ربما يكون آتياً من الإدارة بشأن بعض هذه المخاوف. وبعد مرور عامين ونصف العام، انهارت هذه الآمال على أرض الواقع.
لقد أنهى ترامب الاتفاق النووي وفرض عقوبات صارمة جديدة كان البعض يأملون أن تهدئ القلاقل في المنطقة، كما أظهر الاستطلاع. بيد أن شيئاً من ذلك لم يحدث، حيث ازداد الوضع تعقيداً في العديد من الدول العربية.
وفي سوريا، كما كان الحال في العراق، لن تنحرف سياسة ترامب بشكل كبير عن نهج أوباما. فقد قدمت دعماً تكتيكياً ومادياً، وكذلك القوة الجوية، للجيش المدرب من الولايات المتحدة، وأغلبه من الأكراد، في محاولة لهزيمة «داعش». وبالرغم من التهديدات اللفظية المتكررة لوقف هجمات الحكومة السورية على المدنيين، فإن ترامب شنّ ضربة جوية واحدة على قاعدة جوية، لكن فقط بعد الإشارة إلى نيته قبل القيام بالضربة بـ24 ساعة، مما أدى إلى تقليل خسائر النظام في الأرواح والأصول العسكرية. وفي الوقت نفسه، تم ترك بقية سوريا لقوات الحكومة السورية وروسيا وحلفائهما.
وبالنسبة لـ«صفقة القرن»، فإنه بعد مرور عامين ونصف، ما تزال المنطقة تنتظر صدورها. ورغم التأخير المستمر، أوضحت سياسات إدارة ترامب خطوطها العريضة. وفي جوهرها، «قدمت مزايا كثيرة» لإسرائيل. وقام ترامب بـ«إخراج القدس من المناقشات»، تبع ذلك بتوضيح أنهم كانوا يسلبون حقوق اللاجئين (ولم يعودوا يعتبرونهم لاجئين) وبالنسبة لوضع المستوطنات الإسرائيلية (بقيت هذه المستوطنات بلا جدال).
وإذا كان لا يزال هناك أي التباس حول ما إذا كان الأمل الأولي الذي وضعه البعض في إدارة ترامب مخطئاً، فإن أحداث الشهر الماضي أنهت هذا الالتباس. ورغم الحديث الصارم بشأن بعض القضايا والأطراف، فقد أوضح السفير الأميركي في إسرائيل أن الولايات المتحدة ليس لديها نية لرؤية أي مستوطنات إسرائيلية تتم إزالتها من الأراضي الفلسطينية. وبالنسبة للكثيرين، كانت الضربة القاضية هي قرار الرئيس بسحب قوات الولايات المتحدة من الحدود الشمالية لسوريا، والتخلي عن حلفائها الأكراد. وسمح هذا الانسحاب الأميركي للجيش التركي بدخول سوريا، وخلْق «منطقة آمنة» يأملون أن يعيدوا إليها السوريين الذين لجأوا إلى تركيا بالقوة. كما أجبر هذا التخلي الأكراد على إبرام اتفاق مع الحكومة السورية، وعلى التنازل بشكل فعلي عن السيطرة على ما كانوا يأملون أن يصبح منطقة كردية تتمتع بالحكم الذاتي.
والخاسرون في كل هذا هم الأكراد والفلسطينيون والعرب الذين كانوا يأملون في أن تمثل إدارة ترامب تغييراً بنّاءً في السياسة الأميركية. والحقيقة المحزنة هي أن دور الولايات المتحدة في المنطقة يشهد تراجعاً منذ أن قررت إدارة بوش الابن غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين. ورغم توقعات بوش بأن الاحتلال الأميركي سيكون موضع ترحيب، وأن الديمقراطية ستزدهر وتنتشر في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وأن الولايات المتحدة ستثبت نفسها كقوة مهيمنة في القرن الـ21.. فإن ما حدث عملياً كان على العكس من ذلك، حيث وجدت الولايات المتحدة نفسها في حرب طويلة لم تستطع الفوز بها، وانحدر العراق إلى صراع أهلي طائفي دموي.
وأدى رحيل الولايات المتحدة من العراق، ثم قبل ذلك سياستها على مدى سنوات هناك، إلى تمكين الأحزاب الطائفية الشيعية الدينية من حكم البلاد، حيث انتهجت سياسات طائفية ساهمت في ظهور «داعش».
وعندما اندلع «الربيع العربي»، كان دور الولايات المتحدة داعماً في بعض الأحيان، وهو موقف محزن جعل بعض العرب يأملون في تعهد ترامب بالعمل على نحو أوثق مع حكوماتهم وتوفير المساعدة الأميركية في حل بعض المخاوف الملحة في المنطقة، مثل وضع حد لإراقة الدماء في سوريا، ومنع التدخلات الإقليمية في الشؤون الداخلية لبعض الدول العربية، وبذل جهود حازمة لإيجاد حل عادل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الطويل.
وفي النهاية، فإن العالم العربي في حاجة للوحدة، إذا كان يريد التغلب على التحديات الكثيرة التي يواجهها الآن. وعلى الدول العربية خلق آليات إقليمية لمعالجة النزاعات، وتنفيذ مبادرة السلام العربية، ومعالجة أزمة اللاجئين في المنطقة، ووضع استراتيجية استثمار لخلق فرص العمل وتحسين التعليم والتوسع في الرعاية الصحية.. وكل هذا سيساعد على تعزيز التقدم والأمن والاستقرار الذي تحتاجه المنطقة. وفي كل هذه المجالات، يمكن للولايات المتحدة أن تساعد، وكذلك القوى العظمى الأخرى. لكن العالم العربي لن يعتمد مرة أخرى على وعد أي قوة خارجية بتقديم ما ينبغي عليه أن يفعله لنفسه.
*رئيس المعهد العربي الأميركي -واشنطن

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟