صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

الليرة السورية.. وأثرياء الحرب

تستعد حكومة دمشق لإصدار موازنة الدولة للعام المقبل بحجم 4 تريليون ليرة، وهو رقم قياسي في تاريخ الموازنات السورية، ويساوي أكثر من 5 أضعاف موازنة 2010 (قبل الأحداث) والبالغة 754 مليار ليرة، لكنها تعادل 16.55 مليار دولار. وحتى موازنة 2011 التي أُعدت في العام السابق للأحداث، اعتمدت السعر ذاته، وبلغت قيمتها 17.8 مليار دولار، أي بزيادة 8 في المئة. واعتماداً على هذه النسبة وعلى أساس نمو تدريجي في السنوات التالية (لو لم تقع الإحداث)، كان يفترض أن يصل حجم الموازنة إلى 36.7 مليار دولار. وعلى الرغم من أن السعر الرسمي هو 435 ليرة للدولار، فإنه لا بد من اعتماد السعر الحقيقي في السوق والبالغ أكثر من 645 ليرة، فيكون حجم الموازنة فقط 6.2 مليار دولار، أي نحو ثلث موازنة 2011، وهي الأخفض في تاريخ سوريا، نتيجة التدهور الكبير الذي تعرض له سعر صرف الليرة مقابل الدولار خلال السنوات الثماني الماضية.
لا شك في أن التطور الرسمي لأرقام الموازنات، لا يدل على تطور اقتصادي، لأنه لا يعود لزيادة حقيقية ناتجة عن توسع أو نمو في الاقتصاد السوري، وإنما إلى تضخم قيمة النفقات الناجمة عن الارتفاع الكبير بالأسعار، وبسبب سوء إدارة الاقتصاد والسياسة معاً، كل ذلك مصحوب بالفساد والإهمال والمحسوبية، في ظل تدويل قضية سوريا واشتداد الحرب بالوكالة على أرضها، واقتسام النفوذ الجيوسياسي والعسكري بين أطراف إقليمية ودولية، واستثمار المصالح.
وإذا كانت الحرب قد ضاعفت عدد الفقراء، فهي في الوقت ذاته زادت غنى بعض الأغنياء، وضاعفت ثرواتهم، فضلاً عن خلق شريحة جديدة من «أثرياء الحرب» تراكمت ثرواتهم من الفساد الذي شرع أبوابه في مختلف الاتجاهات، باستعمال السلطة أحياناً، والقوة والعنف أحياناً أخرى، نتيجة السيطرة على بعض المناطق والأسواق والبيع والتجارة بمختلف أنواعها.. مستغلين فقدان المواد الغذائية والاستهلاكية وارتفاع أسعارها. وهكذا ظهرت طبقة طفيلية أفرزتها الحرب، وهي تتصدر واجهة النشاط الاقتصادي الريعي، وتستفيد عن طريق استغلال صفقات مشبوهة وغير قانونية، مع ارتفاع الهدر في توزيع الدعم الحكومي ومحدودية تأثيره لصالح الطبقات الفقيرة صاحبة هذا الحق. هذا مع العلم أن عمليات تجارة العملة، والإقبال على شراء الذهب ومصنوعاته، ساهمت في تنشيط حركة تهريب كبيرة لأموال الأثرياء إلى خارج سوريا، والتي قدّر حجمها بأكثر من 30 مليار دولار، وقد ساهمت باستنزاف قسم كبير من احتياطي البنك المركزي، وأدت إلى انهيار الليرة، وارتفاع التضخم، وتآكل قيمة أجور الموظفين والفقراء.
وتحت ضغط حلفاء النظام الذين بدؤوا مرحلة جني الأرباح وتقاسم الثروات، وهم يطالبون بسداد الديون التي قدموها طوال السنوات الماضية، لجأ النظام إلى رجال الأعمال من «أثرياء الحرب»، لدعم الليرة بقسم من ثرواتهم، وقد رفع هؤلاء في اجتماع استثنائي، حضره محافظ البنك المركزي، حازم قرفول، شعار «الكل بدو يدفع»، تمهيداً لجمع الأموال في «صندوق المبادرة» لدعم الليرة، على أمل إقرار موازنة من دون عجز مالي، مع استعداد جدي لدى النظام لاسترداد أموال من رجال أعمال متهمين بالفساد، وحجز ممتلكاتهم لمصلحة الدولة.
وإضافة إلى حاجته للحصول على دعم «دولارات أثرياء الحرب»، تأتي خطوة النظام في إطار معركة تقودها الدول النامية لتتبع «الأصول المنهوبة»، من خلال الممارسات الفاسدة، ومصادرتها وإعادتها إلى بلدانها الأصلية، وذلك استناداً إلى فصل كامل في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، مع العلم أن بعض الدول سجلت نجاحاً في هذا المجال، فهل تنجح حكومة دمشق في تحقيق هذا الهدف؟
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟