صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

دعم الوقود أم الرعاية الاجتماعية؟


آلاف المحتجين في الأكوادور أغلقوا الشوارع وأضرموا النيران واقتحموا البرلمان، فأعلن الرئيس لينين مورينو حالة الطوارئ ونقل الحكومة خارج العاصمة. وبدأت الاحتجاجات في الأول من أكتوبر الجاري حين أعلن مورينو إلغاء دعم الحكومة للوقود. وذكرت تقارير أن سبعةً قتلوا كما اُعتقل 1152 شخصاً. وفي وقت متأخر من يوم الأحد وافق مورينو على التراجع عن زيادة أسعار الوقود مقابل وقف الاحتجاج. وقرار إلغاء دعم الوقود دفع إليه اتفاق بين الأكوادور وصندوق النقد الدولي بقيمة 4.2 مليار دولار من أجل ضبط العجز المالي للبلاد.
وتطرح الاحتجاجات معضلة شائعة للزعماء السياسيين تتمثل في مدى قدرة الحكومات على إصلاح دعم الوقود دون حدوث احتجاجات واسعة النطاق. فقد بدأت احتجاجات السترات الصفراء العام الماضي في فرنسا رداً على زيادة أسعار الوقود. وقبل ذلك، أدت زيادة أسعار الوقود إلى احتجاجات أطاحت بالزعيم الإندونيسي سوهارتو عام 1998، وإلى ثورة في بورما (ميانمار حالياً) عام 2007 وإلى حركة واسعة في نيجيريا عام 2012.
وفي بحث نُشر حديثاً، قمت بدراسة سبب رفض الناس الأفقر لإصلاح دعم الوقود حتى إذا وعدت الحكومة بتحويل التمويل إلى برامج يمكن أن تنفع الفقراء مثل التحويلات النقدية إليهم أو تحسين البنية التحتية. والبحث الذي أجريته يدلنا على أن المواطنين يرفضون إصلاح دعم الوقود حين لا يثقون في أن الحكومة ستفي بوعودها تلك. ورغم أنني أجريت هذا البحث في إندونيسيا فإنه يحمل دروساً مهمة للأكوادور.
وكثير من عمليات الدعم، في الأكوادور وإندونيسيا، بدأت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي حين دشنت الحكومات برامج لتحقيق استقرار في أسعار البضائع الأساسية. لكن مع ارتفاع أسعار الوقود تتضخم ميزانية برامج تحقيق الاستقرار في الأسعار. وهذا يحدث إذا حددت الحكومات في بداية الأمر سعراً ثابتاً، أي أن يدفع المستهلك أسعاراً تتغير تبعاً لتقلبات السوق مع بقاء نسبة الدعم كما هي.
ومواطنو هذه الدول يعلمون أن تغيير الأسعار الثابتة يعني أن الحكومة تتخذ قراراً سياسياً مقصوداً. كما أن الناس في بعض الدول التي تنتج وتصدر النفط أو الغاز (مثل فنزويلا) ينظرون إلى أسعار الوقود المنخفضة على باعتبارها من الأشياء القليلة التي يستفيدونها فعلياً من الثروة النفطية لبلادهم.
واختبر بحثي مدى استعداد المواطنين في إندونيسيا لتأييد إصلاحات دعم الوقود. وحين قمت ببحثي عام 2013، كانت إندونيسيا تتحسس طريقها في عملية تستغرق سنوات لزيادة أسعار الوقود، مع وضع برامج اجتماعية تستهدف المواطنين الأفقر مثل التحويلات النقدية والإعفاء من رسوم الرعاية الصحية للأسر الفقيرة. وكانت فرضيتي هي أن الأشخاص يكونون أقل ميلاً للثقة في البرامج الجديدة إذا كان مسؤولوهم المحليون فاسدين.

ويمثل حل الأزمة المالية في الأكوادور والحفاظ على دعم صندوق النقد الدولي أولوية محورية لمورينو. لكن إذا لم يثق مواطنوه بأن نظاماً لمدفوعات الرعاية الاجتماعية للأسر الأفقر سيحل بدلاً من نظام دعم الوقود المكلف والرجعي وغير المستدام بيئياً، فإنهم لن يغادروا الشوارع على الأرجح.
والحكومات التي تسعى لإحلال سياسة دعم الوقود بغيرها ربما يتعين عليها أن تركز على تحقيق ما يجده الناس موثوقاً به. ولعله نهج إندونيسيا الناجح في تطبيق إصلاحات تدريجية، وليست شاملة، وإثبات أن كل اقتطاع من دعم الوقود سيتجلى فعلياً في صورة إنفاق على الفقراء. وباختصار، فالناس أكثر ميلاً لتأييد تقليص دعم الوقود في المناطق التي كسبت فيها الحكومة ثقتهم.

*باحث بارز في «معهد توني بلير للتغير العالمي»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟