في التاسع والعشرين من أكتوبر المنصرم، احتفل الرئيس التركي أحمد نجدت سيزر بالذكرى الثمانين لتأسيس الجمهورية التركية، وأقام حفل غداء بهذه المناسبة دعا إليه كبار الشخصيات في الدولة· ولكن لوحظ أنه استثنى من الدعوة زوجات كبار المسؤولين من المحجبات· وكان ذلك الاستثناء بمثابة رسالة واضحة تؤكد للأذهان مجددا أن تلك الدولة التي كان قد شيد دعائمها القائد التركي كمال أتاتورك في عام ،1920 إنما هي دولة علمانية وذات منحى غربي، ينفصل فيها الدين عن السياسة انفصالا كليا· نتيجة لذلك فقد شغر الكثير من الكراسي المخصصة للمدعوين· وأقدم عدد كبير من المدعوين على مقاطعة الحفل، سيما من قبل أعضاء البرلمان المنتمين إلى الحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية، الذي يترأسه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان·
وهكذا انتهى الحفل إلى فضيحة سياسية· فقد بدا أن الرئيس سيزر يقدم نفسه باعتباره ثقلا سياسيا مكافئا وندا لحكومة طيب أردوغان· ومعلوم أن الشكوك في مدى قدرة تسامح هذه الحكومة، إضافة إلى الشكوك في جذورها الدينية ودعاوى إحياء الإسلام التي تتبناها، قد شكلت جميعها عامل زعزعة وعدم استقرار للنظام العلماني الحاكم في تركيا· فما يمكن رؤيته من خلال هذه المناسبة السياسية هو أن التوترات لا تزال قائمة ما بين العلمانية والإسلام، وما بين الدولة والدين، إضافة إلى النزاع القائم بين السكان الفلاحين ومؤسسة الجيش، علما بأن هذه المؤسسة هي التي تنصب نفسها الحارس القيم على حماية ورعاية تلك التركة العلمانية التي خلفها كمال أتاتورك· وقد أصبحت هذه التركة الطابع العام للدولة التركية منذ إعلان مؤسسها عن إصلاحاته الراديكالية وقتئذ·
يذكر أن أردوغان قد تولى منصب رئيس الوزراء في مارس ،2003 أي بعد أشهر معدودة من حصد حزبه لثلثي مقاعد البرلمان التركي البالغ عددها 550 مقعدا· وكان أردوغان أول رئيس وزراء تركي يصعد إلى سدة الحكم من بين صفوف أبناء الطبقات الاجتماعية المتواضعة· ومما يعرف عنه أنه كان قد التحق في باكر طفولته بإحدى المدارس التقليدية التي تعنى بتعليم القرآن· أما في صباه فقد كان معروفا ببيعه لليمون في شوارع العاصمة استنبول· ولدى التحاقه بالجامعة لدراسة علم الاقتصاد، تحول أردوغان إلى لاعب محترف لكرة القدم، كي يتمكن من مواصلة دراسته وتسديد نفقاته التعليمية· وسرعان ما انضم أردوغان إلى صفوف حزب الرفاه الإسلامي· وفي عام ،1994 جرى انتخابه ليصبح عمـــــدة لمدينة اســـــــتنبول -يوم أن كان على رأس الحزب نجم الدين أربكان- هناك ومن هذا المنصب، كان أردوغان قد نال الاعتراف والتقدير نتيجة لما قام به من أعمال كبيرة، تمثلت في تنظيفه للمدينة واستئصال جذور الفساد فيها· وعليه فقد حقق شهرة واسعة جراء حسن وكفاءة إدارته، فضلا عن استقامة شخصيته وسلوكه·
في عام 2000 أسس أردوغان حزبه الخاص، حزب العدالة والتنمية الذي يعرف بحروفه الأولية التركية اختصاراً باسم PKA الذي فاز بانتخابات نوفمبر 2002 وفرض أغلبيته على البرلمان الحالي· وبصفته قائدا من بين صفوف الشعب والجماهير، ومسلما تقدميا حديثا، فإنه يعتبر أول رئيس وزراء تركي -على امتداد ما يربو على القرن- لا يتحدث لغة أجنبية غير لغته التركية· فهل يتطلع أردوغان لإعادة أسلمة تركيا، أي إعادتها إلى مرحلة ما قبل الأتاتوركية؟ إنه ينفي ذلك بكثير من الانفعال والغضب· بدلا من ذلك، فإنه يسعى إلى تعزيز الهوية التركية، عن طريق التوفيق ما بين الجذور الإسلامية لهذه الهوية، والتركة العلمانية التي خلفها كمال أتاتورك·
أما عن حزبه فينفي أردوغان أن يكون هذا الحزب إسلاميا أو أن تكون له توجهات إسلامية· وقال إن حزبه يتبع برنامجا محددا لا علاقة له مطلقا بالدين· وعلى رأس الأهداف التي يسعى لتحقيقها الحزب، تحديث الاقتصاد التركي واستئصال الفساد من تربة الحياة العامة التركية· ويعتز أردوغان أيما اعتزاز بكونه مسلما، إلا أنه يؤكد أن هذه تعد مسألة شخصية· ومن جانبه فإنه يعتبر العلمانية إحدى الدعائم الرئيسية التي تقوم عليها الديمقراطية التركية، فضلا عن كونها صمام الأمان لضمان صون الحريات والحقوق الدينية والثقافية للمواطنين· وبحسب إعلانه، فإن على الدولة أن تلتزم الحياد في كل ما له صلة بالدين· يذكر أن الدولة العثمانية كانت قد كرست نفسها للذود والدفاع عن عقيدة الإسلام· بيد أن حكومة كمال أتاتورك أجرت تغييرات واسعة وجذرية على نظام الحكم على أثر انهيار الإمبراطورية العثمانية السابقة خلال الحرب العالمية الأولى· وعلى رغم مرور قرن كامل على تبني تركيا للنهج والقيم الغربية وفقا للنهج الذي أرساه كمال أتاتورك، فإن الجذور الإسلامية للمجتمع التركي وثقافته وحضارته، لا تزال تضرب بعيدا في تربة الواقع التركي المعاصر·
لا بد من القول هنا إن هدف أتاتورك لم يكن تدمير الإسلام، وإنما كان قصده هو أن ينحصر الدين في جوانب الاعتقاد والممارسة الشخصية للعبادة لا أكثر· بذا يكون القصد هو كسر شوكة الإسلام المنظم أو الرسمي، وهيمنته عل