في يناير الماضي فصلت صحيفة "ليبرتاتي" الرومانية الشعبية أحد محرريها لأنه لفق قصة عن زوجين سميا ابنيهما ياهو (Yahoo) تعبيراً عن الامتنان للإنترنت التي التقيا من خلالها... وكانت الصحيفة قد نشرت صورة مزورة لشهادة ميلاد الطفل. ونشر الخبر على نطاق واسع في العديد من المواقع عبر الإنترنت. وبعد أن كشف الأمر اعترف الصحفي بتلفيق القصة ليبدو محرراً بارعاً ولكن هذه البراعة أوصلته إلى الفصل من عمله... وهو يستحق الفصل وأمثال هذا الصحفي لا تخلو منهم أية صحيفة ومن المستحيل أن نقف بجانبهم.
في هذه الأيام ما تزال معاناة الزميلين الأستاذ علي أبو الريش مدير تحرير جريدة "الاتحاد" والأستاذ عبدالله رشيد مدير التحرير التنفيذي لـ"دنيا الاتحاد" وكاتب العمود اليومي "دبابيس" ما تزال مستمرة منذ عدة شهور وهما يتنقلان بين غرف النيابة وقاعات المحاكم... يواجهان اتهامات بالقذف والتشهير...وبكل روح رياضية كانا وما زالا يحضران الجلسات ويجيبان على أسئلة التحقيقات على الرغم من إيمانهما ببراءتهما.
إنني أدعو جميع الزملاء الصحفيين إلى الوقوف قلبا وقالبا إلى جانب الزميلين علي أبو الريش وعبدالله رشيد... في محاكمتها التي نتمنى أن تكون الأخيرة وأن تنتهي كي يستطيعا أن يمارسا عملهما الصحفي بشكل طبيعي... وكي يستطيع كل صحفي أن يعمل وهو مطمئن البال دون أن يفكر في القضبان الحديدية أو "صحن الدال"!.
لا يشعر الصحفي بشيء وهو يقف أمام القاضي غير الاعتزاز بالنفس والشعور بأنه المتهم البريء الذي لا يفصله عن حكم البراءة إلا الوقت والذي يدفع ثمن ضيق أفق بعض أفراد المجتمع الذي يعيش فيه... ولا شيء يجعل الصحفي سعيداً في حياته بقدر حكم براءة ينالها من محكمة ظل يذهب ويعود إليها لأشهر طويلة وربما لسنوات ليدفع ثمن كلمة كتبها. في بلد منفتح كالإمارات يعاني الصحفي أيضاً كباقي زملائه في أي مكان في العالم من القضبان الحديدية ولكن معاناتنا قد تكون أخف بكثير من معاناة ذاك الصحفي الذي اختطف في العراق أو الذي قتل في فلسطين أو الذي اختفى في مصر فأقصى ما يحدث حالياً هو أن يفتح بلاغ ضد الصحفي ويوجه إليه الاتهام بالقذف والسب...
هذه الأمور تحدث في منطقة مليئة بالانتهاكات ضد الصحفيين، وإلى أن يصدر التقرير الجديد لمنظمة "مراسلون بلا حدود" في مايو المقبل فإننا نستشهد بتقرير العام الماضي والذي كشف أن المنطقة العربية بما فيها شمال إفريقيا والشرق الأوسط سجلت أسوأ أداء في مجال حرية الصحافة لعام 2003. وأشار التقرير إلى مقتل 17 صحافياً في العالم العربي الذي يعاني من انتهاكات مختلفة وتعزيز في الرقابة الذاتية لوسائل الإعلام. وقال التقرير "إن المنطقة تتمتع بوسائل إعلام مستقلة قليلة والصحافيون في الكثير من الدول يفرضون رقابة ذاتية صارمة على أنفسهم". هذه حقائق نعرفها جميعا ويجب أن يعرفها أفراد المجتمع ليعرفوا أن هناك حقوقاً محرومون هم منها بسبب حرمان الصحافة من الحرية التي تحتاج إليها بالإضافة إلى خوف بعض الصحفيين على أنفسهم وبالتالي نسج خيوط من الخوف حولهم وتشديد الرقابة الذاتية على عملهم!.
المثير عندنا هو أن أي شخص وبكل بساطة يستطيع أن يوجه تهمة القذف ضد الصحفي. فالقانون الجنائي وقانون المطبوعات والنشر يسمحان لأي شخص ذكر اسمه أو لم يذكر في الصحيفة وأي مسؤول وإن تم التلميح إلى إدارته أن يشهر سيفه ضد الصحفي والصحيفة وأن يتهم هذا الصحفي أو ذاك الكاتب بالقذف والسب والكذب والافتراء. وبالطبع فإن هذا الأمر وحسب القانون يجب أن يأخذ مجراه القانوني ويستمر الأمر طويلا. لا أحد يعترض على حق الآخر في رفع أية دعوى ضد أي صحفي أو كاتب رأي ما دام المشتكي يعتقد أنه تضرر مما كتب وبالتالي يطالب بحقه ولكن هناك قضايا واضحة لا تحتاج إلى محاكم وقضايا يمكن حلها بالتفاهم وفي جلسة شاي. وفي النهاية فإنه ليس هناك صحفي يقصد الإساءة المباشرة لأحد أو لجهة ما فالهدف الأول مما يكتبه الصحفي هو الصالح العام وحسن النية وهو المنطلق الرئيسي فيما يتناوله من رأي ونقد ومطالبة.
ليست مشكلة أن يجلس الصحفي أمام وكيل النيابة أو أن يقف أمام قاضي التحقيق، ولكن المشكلة أن نشعر بأن الهدف يكون في كثير من القضايا هو الإساءة للصحفي أو محاولة "تأديبه" كما يحب البعض أن يطلق على هذه العملية. ولكن في الواقع فإن تلك القضايا تؤثر على الأداء الصحفي وبالتالي على ما يطلبه المجتمع من الصحافة. المجتمع ليس بحاجة إلى أن يقلب الطاولة على الصحفيين حتى يستريح "البعض"، ففي نهاية المطاف تؤدي الصحافة دوراً مهماً بل ودوراً طليعياً في المجتمع ويفترض أن يتقبل الجميع هذا الدور لأنه في النهاية يفيد الجميع. والصحفي مستعد للتضحية لكن في الوقت نفسه يفترض أن يكون المجتمع مستعدا أيضا لتقديم التضحيات. إن جمعية الصحفيين مطالبة بالتحرك في هذه القضية وغيرها من القضايا التي تخص الصحفيين وهي تحركت فعلياً وحاولت فعل شيء ما في قضية أبو الريش ورشيد ولحماية الصحفيين وهذا ما يفترض أن يتم وخصوصا