يوم آخر وإطلاق نار جماعي آخر. أصبحنا حزانى على أدويسا بولاية تكساس، وحزانى على أميركا. وأعقاب كل عملية إطلاق نار جماعية يتبعها نمط معتاد، يبدأ بتغطية صحفية محمومة، ثم ينخرط السياسيون والخبراء في حديث متوقع عن تشريع للتحكم في الأسلحة. كل هذا نعرفه سلفاً. وبالطبع نحتاج إلى فحص اجتماعي شامل لمشتري الأسلحة، ويتعين علينا سد كل الثغرات في القوانين، وحظر خزائن البنادق الآلية وغيرها. لكن السياسيون لا ينفذون إلى لب المشكلة، ولا يقدمون حلولاً للتفكيك، المعضلة التي جعلت هذه المشكلة المروعة الخاصة بأميركا وحدها عصية على الحل إلى هذا الحد.
والأمر لا يتعلق بسياستنا تجاه المسدسات، بل يتعلق بطبيعة الحياة السياسية التي فشلت في تخليصنا من هذا الجنون. وما لم نتغلب على التأثير البشع للمال على سياستنا، فلن نتمكن من كسر القبضة الخانقة للاتحاد القومي للأسلحة على مجتمعنا. فالأرباح التي يجنيها منتجو الأسلحة هي ذات الأولوية في سياستنا تجاه الأسلحة وليس إرادة الشعب أو سلامته. لذا يتعين على الأميركيين النظر بعمق في وباء العنف. ويتعين علينا النظر فيما يتجاوز السياسة لنمحص أنفسنا.
فنحن كأفراد وأميركيين لسنا أشخاصاً عنيفين، لكن لا مجال لإنكار أن لدينا ثقافة عنف. فوقوع عمليات إطلاق نار جماعية ليست أمراً طبيعياً من الناحية الاجتماعية. وما لم نواجه هذا، فلن يتحسن الوضع أصلاً. ومعظم السياسيين لم يبارحوا مناقشة الأعراض لينظروا بعمق في المشكلة. ويجب أن تكون السياسة قناة تسع نقاشنا العميق- وليس السطحي- للقضايا الاجتماعية. والسياسة التقليدية لا تناقش القضايا الأعمق التي ابتلينا بها. لكن لا بد من سبر أغوار هذه القضايا. وأميركا لا تعاني فقط من أزمة مسدسات بل لديها أزمة ثقافية. ولن تتخلص أميركا من مكابدة تأثيرات عنف الأسلحة حتى نكون مستعدين لمواجهة السبل المتعددة التي تملأ ثقافتنا بالعنف. فسياستنا البيئية عنيفة تجاه الأرض. ونظامنا في العدل الجنائي عنيف تجاه الملونين. ونظامنا الاقتصادي عنيف تجاه الفقراء. ووسائل إعلامنا الترفيهية عنيفة تجاه النساء. وألعاب الفيديو الخاصة بنا عنيفة في تأثيرها على عقول الأطفال. وجيشنا عنيف في مناطق متعددة لا يتعين أن يكون فيها كهذا. ووسائل إعلامنا عنيفة في إلحاق الخزي بالآخرين، وإلقاء اللوم عليهم من أجل الحصول على معدل مشاهدة أكبر. وقلوبنا عنيفة حين نهجر بعضنا البعض بشكل دائم لننعش اليأس والاضطرابات النفسية. وحكومتنا عنيفة بشكل مباشر وغير مباشر بوسائل لا تحصى، وتستخدم فيها سلطتها لمساعدة من لا يحتاجون ومنع المساعدة عمن يحتاجونها.
والحقيقة الأكثر قتامةً، هي أن الأميركيين يتعين أن يعترفوا الآن بأن مجتمعنا ليس غائصاً في العنف فحسب بل العنف يمسك بتلابيبنا. وفي مجال بعد آخر، حصد أشخاص مليارات الدولارات من تشديد القيد. ولن ننتج إلا المزيد من العنف حتى نستوعب هذا. ويتعين أن تستيقظ عقولنا حتى يمكننا رؤية هذا. ويتعين أن تستيقظ قلوبنا حتى يمكننا تغيير كل هذا. ويتعين أن تتغير حياتنا السياسية حتى يمكننا مناقشة كل هذا.
وجود مؤسسة سياسية متورطة بشدة في استخدام القوة، لن يجعلها تقريباً أداة لحل مشكلة العنف في هذه البلاد. ووجود ميزانية عسكرية تقترب من 740 مليار دولار، وميزانية تبلغ 40 مليار دولار فقط لوزارة الخارجية، يوضح التزامنا الشديد بالقوة العارية، وضعف التزامنا دوماً بالسلطان المعنوي. فالقوات الجوية تسعى لامتلاك 100 قاذفة قنابل من طراز بي-12 رايدرز التي يبلغ سعر الواحدة منها 550 مليون دولار، وكل واحدة منها قادرة على حمل أسلحة نووية وتقليدية. هذا في ظل وجود 12.5 مليون طفل أميركي في الولايات المتحدة يعيشون في منازل لا يتحقق فيها الأمن الغذائي. ولذا، من المثير للضحك تقريباً أن نتوقع أن السياسيين الذين يسمحون بحدوث هذا هم الذين سينقذوننا من وباء العنف في الولايات المتحدة. فلن نتحرر من وقائع الخلل الوظيفي حتى نكون مستعدين لتبني وقائع أكثر قدرةً على أداء العمل.
إنني أقترح إقامة وزارة أميركية للسلام، مهمتها تنسيق وتوجيه سلطات حل الصراعات، وتحقيق العدل ومنع العنف، والتعليم الذي يعمل على الإلمام بتأثير الآلام النفسية، والاهتمام بالمدارس، وتقديم خدمات شاملة للأطفال والأسر، وتقديم التعليم المعنوي والاجتماعي. وأن تقيم هذه الوزارة أكاديمية على مستوى عالمي للسلام، لتدريب ونشر آلاف الأشخاص الداعمين للسلام، وتعقد أيضاً مؤتمرات قومية، وتشكل قوة عمل رئاسية لنشر السلام. وعلينا بذل كل جهد للترويج لثقافة السلام في الداخل والخارج، ومعالجة جذور القضايا، وليس فقط أعراض العنف في أميركا، لنحول ثقافتنا، في الوقت الملائم، من ثقافة الصراع إلى ثقافة السلام.
فلن يتغير شيء جذرياً، ما لم يكن هناك عدد كاف من بيننا، يرغبون في اتخاذ موقف لتحقيق هذا التغير الجذري. وليس هناك تحول أكثر جذرية في الولايات المتحدة من التحول من ثقافة العنف إلى ثقافة السلام، ومن تواتر الهجوم إلى تواتر الصفح، ومن أرض الخوف إلى أرض الحب.
ماريان ويليامسون: مرشحة «ديمقراطية» في انتخابات الرئاسة الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»