صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

فرصة السودان الأخيرة


الاتفاق الذي تم التوصل إليه في السودان ليس إلا بدايةً تضع الأسس السياسية والدستورية لمرحلة انتقالية ستكون صعبة، بمقدار الأزمات والمشاكل التي تراكمت على مدى ثلاثة عقود. وقد ظهر بعض ملامح هذه الصعوبة، وليس كلها، خلال الوساطة التي قام بها الاتحاد الأفريقي وإثيوبيا، وتميزت بالواقعية، والإلمام بالقضايا الأساسية، ومواقف كل من قوى إعلان الحرية والتغيير، والمجلس العسكري، تجاهها. فقد أدرك الوسيط الموفد من الاتحاد الأفريقي، والمبعوث الإثيوبي، أنه بمقدار التقدم باتجاه كسب ثقة هذين الطرفين في الوساطة التي اضطلعا بمهمتها، يمكن بناء جسور الثقة المفقودة بينهما (أي بين الطرفين)، سعياً لإقناعهما بالتنازلات المتبادلة التي لا بديل عنها للتوصل إلى تفاهم على الأسس السياسية والدستورية للمرحلة الانتقالية.
وتدل متابعة أسلوب الوساطة أن الهدف المبتغى هو إقامة شراكة بين طرفين كانت المسافة بعيدة بينهما في البداية، الأمر الذي جعل صيغة المحاصصة ضرورية مرحلياً لكي يطمئن كل منهما إلى أن الآخر لن يقدر على التصرف منفرداً، لكن المهم ألا تُعطل هذه المحاصصة عملاً كبيراً مطلوباً في المرحلة الانتقالية من أجل تهيئة السودان لبناء دولة ناجحة، وطي صفحات الفشل المزمن الذي ترتب على سياسات الرئيس المخلوع عمر البشير، وحزبه «المؤتمر الوطني» المستند على حركة إخوانية لا يعنيها، مثل نظيراتها، سوى مصالحها الضيقة.
لم تكن طريق هذه الوساطة ممهدة، إذ اعترضتها عوائق ومطبات يعود أكثرها إلى أن الثقة التي بُنيت بين الطرفين السودانيين تحتاج وقتاً طويلاً لتكتمل، فضلاً عن كثرة مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير، والأطراف المنضوية تحت لواء كل منها، وعدم سيطرة المجلس العسكري بشكل كلي على القوى النظامية التي تغلغلت عناصر النظام السابق فيها بدرجات متفاوتة.
ولذا يبقى مصير السودان معلقاً على أداء الطرفين اللذين يتصدران المشهد السوداني الآن، وقدرتهما على الارتفاع إلى مستوى المسؤولية الوطنية، وإدراك أن استكمال التفاهم بينهما يمثل الفرصة الأخيرة أمام السودان، لكي يصلا معاً لإنجاز مهام الانتقال، ومواجهة الخطر المترتب على تغلغل عناصر تدين بالولاء للنظام السابق في مفاصل الدولة والمجتمع خلال العقود الثلاثة التي استحوذ فيها على السلطة. ويزداد هذا الخطر بسبب امتداد هذا الوجود إلى القوات المسلحة، وبعض مستوياتها القيادية، بعد أن ثبت تورط رئيس الأركان في إحدى المحاولات الانقلابية الأربع التي حدثت حتى الآن.
ولذا، لم تكن مصادفةً أنه كلما اقتربت المفاوضات بين طرفي الاتفاق من تحقيق نجاح، حدث هجوم ضد محتجين هنا وهناك، وافتُعلت أزمات أعادت الأمور إلى نقطة الصفر، قبل أن تبدأ الوساطة الأفريقية. فمثلا كان الطرفان قريبين من تحقيق اتفاق في منتصف مايو الماضي بعد تحقيق تقدم أتاح التفاهم على فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، وتخصيص 67% من مقاعد المجلس التشريعي لتحالف الحرية والتغيير، غير أنه في الليلة التي سبقت اجتماعاً مهماً بين الطرفين، حدث هجوم مفاجئ على المعتصمين ترتب عليه وقف المفاوضات. وتكرر السيناريو على نطاق أوسع وأكثر فداحة مع هجوم فض اعتصام القيادة العامة.
ولذا، يظل الحفاظ على التفاهم، الذي تحقق أخيراً، هو الفرصة الأخيرة لنجاة السودان. ولن يتيسر هذا إلا حين يتمكن طرفاه من إكمال عملية بناء الثقة اللازمة لأداء عمل مشترك يتوقف عليه مستقبل السودان وشعبه خلال المرحلة الانتقالية، بدءاً بالسعي إلى حل الأزمات في مناطق النزاع المسلح، واتخاذ إجراءات صعبة للشروع في حل أزمة اقتصادية متفاقمة، فضلاً عن إصلاح المؤسسات التي تغلغلت فيها عناصر النظام السابق وحزبه وخلاياه.
الثقة، إذن، هي المفتاح الذي يتعذر من دونه فتح الباب الذي يؤمل أن يفضي إلى سودان جديد. ومواصلة بناء هذه الثقة شرطٌ لا بديل عنه لمواجهة أزمات قد تسعى عناصر النظام السابق إلى إثارتها، مستغلةً ثغرات يمكن أن تنفذ منها. ويتطلب التوصل إلى درجة كافية من الثقة إدراك كل منهما أهمية دور الآخر. فمن دون تحالف تكتلات سياسية ومهنية سودانية تحت لافتة الحرية والتغيير في مطلع العام الجاري، ربما كان صعباً أن تستمر الاحتجاجات الشعبية وتتصاعد. ومن دون حسم قيادة الجيش موقفها، وتدخلها لإزاحة البشير في 11 أبريل، ربما لم يكن ممكناً نجاح المحتجين في تحقيق التغيير.

*مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟