صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

«ناسبرز» الأوروبية.. وتجربة «فيسبوك»


أرادت أوروبا أن تكون لديها شركة تكنولوجية عملاقة لمنافسة شركات وادي السيلكون. فحصلت على واحدة من طراز شركات كاليفورنيا التي تزدري المستثمرين. وعندما تدرج شركة «ناسبرز» وحدتها المتخصصة في الاستثمارات التكنولوجية في بورصة أمستردام الشهر الجاري، فإن رأس المال السوقي للشركة سيتجاوز على الأرجح 100 مليار دولار، وهي قيمة مستمدة بالكامل من حصة الشركة البالغة 31 في المئة في شركة «تينسينت هولدينجز»، عملاق الإنترنت الصينية.
غير أن «ناسبرز» ستجلب معها أيضاً «هيكل مساهمة مزدوجاً» لتواكب، أو ربما تتجاوز أسوأ ممارسات شركات التكنولوجيا العملاقة مثل «فيسبوك» أو «ألفابت» الشركة الأم لـ«جوجل»، وهذا الهيكل، حيث توجد «فئتان من الأسهم»، هو ما يمنح رئيس مجلس إدارة «ناسبرز» وفريقه حقوق تصويت إضافية. وتبرر الشركة ذلك بأنها تمتلك في «كيب تاون» بجنوب أفريقيا، حيث ترجع أصولها، صحيفة «أفريكانز». ومثل «شركة نيويورك تايمز»، التي يوجد لديها هيكل مماثل، من المفترض أن يكون الهدف من هذا الهيكل هو ضمان استقلالية هيئة التحرير من خلال منع التأثيرات الضارة، نتيجة شراء حصص كبيرة ومحاولة إملاء سياسة التحرير. لكن ذلك يجعل من الصعب أيضاً على المساهمين محاسبة الإدارة. وعلى رغم من أن هذا المنطق ملائم للصحافة، لكن من الصعب فهم ضرورة مثل هذه الإجراءات للمستثمرين في شركات توصيل الطعام والتجارة الإلكترونية، حيث تعتزم الشركة الجديدة توجيه أموالها. فحتى حجة أن الشركة تحتاج إلى ضمان استقلالية حصتها في منصة التواصل الاجتماعي والرسائل الروسية «ميل. آر يو» تبدو واهية.
و«ناسبرز» مصممة على تعدد المساهمين الممثلين في الشركتين القابضتين الرئيستين اللتين تسيطران على الشركة الجديدة، وهدفهما الرئيس هو الإبقاء على استقلاليتها. وتعتزم «ناسبرز» إدراج ربع الشركة الجديدة المعروفة، حتى الآن باسم «نيوكو»، والاحتفاظ بالبقية. وفي حين، ستمنح الأسهم المتداولة من الفئة «N» صوتاً واحداً لحاملها، فإن حاملي الأسهم غير المدرجة من الفئة «A» سيكون لهم ألف صوت مقابل كل سهم، كما هي الحال الآن في جوهانسبيرج، تحسباً لتراجع حصة تصويت «ناسبرز» في «نيوكو» إلى ما دون 50 في المئة.
والأسهم مزدوجة الفئة ليست غريبة، لكن من النادر أن تكون بهذا النوع من التباين. فشركات مثل «فولكسفاجن» و«إريكسون إيه بي» و«ألتيس إيوروب إن في» من بين شركات أوروبية لها هياكل مساهمة مزدوجة، لكن نسب التصويت تكون أقل بكثير. وهي أيضاً استثناء وليست قاعدة. (فحاملو الأسهم المميزة في فولكسفاجن ليست لديهم حقوق تصويت، ومن ثم عانت الشركة عندما أساءت إدارتها التصرف بسبب ضعف المحاسبة).
وفي «فيسبوك»، يتملك «مارك زوكربيرج» والمؤسسون المشاركون أسهماً من «الفئة B»، التي تتمتع بعشرة أضعاف حقوق تصويت الفئة «A» المتداولة في البورصة. وقد أثار ذلك الهيكل استياءً كافياً، بينما وقف المساهمون في شبكة التواصل الاجتماعي عاجزين في مواجهة سوء تصرفات الإدارة بشأن البيانات والخصوصية. لكن على رغم من ذلك تبدو «فيسبوك» أكثر تقدمية بكثير مقارنة بـ«ناسبرز»، التي يقدر تركيز حقوق التصويت فيها بمئة ضعف «فيسبوك».
وتفاقم الأمر في «ناسبرز» بسبب الغموض المحيط بهيكل الملكية. فالأسهم ذات حقوق التصويت الفائقة تكمن في سلسلة من الشركات القابضة. وفي نزاع قانوني قبل عامين سابقين، زعمت شركة «كاكستون» الإعلامية المنافسة أن تلك الشركات القابضة يتحكم فيها «كووس بيكر» رئيس مجلس إدارة «ناسبرز» وموظفون سابقون آخرون في الشركة، من بينهم المدير غير التنفيذي «كوبوس ستوفبيرج». وبغض النظر عن من له القول الفصل في نهاية المطاف، تكمن المشكلة في غياب الشفافية، وهو سلوك غير مرضٍ تماماً.
والأهم من ذلك أن الشركات في وادي السيليكون يسيطر عليها مؤسسوها، الذين من المفترض أن تكون لديهم رؤية منفردة للشركة. لكن «بيكر» ورفاقه ساعدوا على إحداث تحوّل في الشركة، التي يرجع تاريخ تأسيسها إلى عام 1915. ولم يؤسسها «بيكر». وهو ما يجعل من غير الواضح سبب تمتعه بحقوق تصويت أكبر.
ويبقى السؤال من لديه سلطة تغيير ذلك؟ من دون ضغط خارجي، لن يكون لدى حاملي الأسهم من الفئة «A» حافز للتضحية بسيطرتهم على الشركة. ويمكن للمستثمرين أن يشتكوا كيفما شاءوا، لكنهم يعلمون أنهم إذا أرادوا الاستفادة من نمو شركة «تينسينت» الصينية، فعليهم أن يقبلوا هذا الاختلال الكبير في التوازن.
وهناك جهتان يمكنهما الاعتراض على ذلك هما: البورصات ومشغلو المؤشرات. ففي هونج كوج على سبيل المثال، تقيد البورصة حقوق التصويت الفائقة للسهم بعشرة أضعاف السهم العادي، وتجعل من الصعب على حاملي الأسهم ممارسة سلطاتهم الإضافية بعد مغادرة الشركة.
لكن شركة «يورونكست إن في»، التي تمتلك بورصة أمستردام، ستجازف بخسارة إدراج شركة «ناسبرز» المغري لصالح بورصة منافسة إذا سعت لفرض قيود مماثلة، لاسيما أن أنشطة طرح الأسهم مثّلت 8.6 في المئة من إيراداتها العام الماضي. والطريقة الأكثر قابلية للتحقيق هي أن يُقصي مشغلو المؤشرات الشركات صاحبة هياكل الملكية المزدوجة، وعندئذ ليس من المرجح أن تعارض أية بورصة.
*صحفي متخصص في الشؤون التقنية
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»










  • 920x500
    85.75KB




الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟