صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

عبور السياسات العالمية


«اهتمْ بالنواصي، والعوالي ستهتم بنفسها»، عنوان مقطع في كتاب «ترامب فن الصفقة»، الذي صدر عام 1987. ويرسم العنوان، خريطة عبور الرئيس الأميركي الأسبوع الماضي إلى «النواصي»، «كوريا الشمالية»، مباشرة عقب لقائه مع «العوالي» الرئيس الصيني. حدث ذلك في قمة «مجموعة 20» «في أوساكا باليابان، وفيها نزل وحي التغريدة على ترامب، وأعلن قراره عبور المنطقة المنزوعة السلاح على الحدود بين الكوريتين، وفَرَشَ بذلك البساط، ولم يسحبه، تحت أقدام الواقع السياسي العالمي. وإذا كانت هذه كما يُعلقُ الليبراليون المعادون للرئيس الأميركي، «خطوة ارتجالية»، فالارتجال مساهمة ترامب المعلنة في السياسة الدولية والأميركية الزاخرة بارتجالات تدّعي العكس.
ولا يُقدِّر ترامب حق قدره كالرئيس الروسي بوتين، الذي تحدث في لقاء مسهب مع صحيفة «فاينانشيال تايمز»، قبيل قمة أوساكا، عن خمسة رؤساء أميركيين عاصرهم، وأعرب عن امتنانه للرئيس بل كلينتون، الذي عقد معه «علاقة شراكة ما»، وقال عن ترامب: «إنه ليس سياسياً محترفاً، لكنه موهوب، ويملك حساً مرهفاً جداً بالرأي العام الأميركي، وفهماً دقيقاً للتغيرات التي حدثت فيه». ونصح بوتين بالبحث هنا عن ترامب، وليس ما أسماها الاسطوانة المشروخة حول تدخل روسيا. وتحدث الرئيس الروسي عن دور العولمة في ما جرى، والتي يتم غالباً تجاهل كيف حدثت، ومن استفاد منها، وقال: «أفضلُ من استفاد من العولمة الصين، التي استخدمتها لانتشال ملايين الصينيين من وهدة الفقر، لكن لم يستفد من العولمة في أميركا غير رؤساء وموظفو الشركات الكبار ورجال الأعمال، فيما لم تحصل على شيء الطبقة المتوسطة الأميركية»، وذكر أن ذلك لم يفت ترامب.
و«إذا فهمت كل شيء، يعني أنك أسأت الفهم»، هذه الحكمة اليابانية قد تُطيّب خاطرنا إذا تعسّر علينا فهم ما جرى في قمة «مجموعة العشرين» التي تأسست عام 1999 من ممثلي الدول الغنية. فمن يفهم كيف صار نكتة أخطر سؤال وجهه الإعلام الأميركي إلى ترامب في مؤتمره الصحفي المشترك مع الرئيس الروسي بوتين. والسؤال هو«أيها السيد الرئيس هل ستطلب من الرئيس الروسي أن يتوقف عن التدخل في انتخابات الرئاسة؟» والتفت ترامب نحو بوتين، وكرر السؤال مرتين «لا تتدخل أرجوك»، وابتسم الرئيسان ابتسامة ماكرة.
وأهم ما لا يمكن فهمه في الأوضاع السياسية العالمية الراهنة، الحرب التجارية بين واشنطن وبكين. الرئيس ترامب أوضح عقب لقائه بالزعيم الصيني على هامش «قمة أوساكا»، أن المفاوضات التجارية حلّت محل الحرب التجارية، ولن يفرض أي تعريفة جمركية جديدة على السلع التجارية المستوردة من الصين، والتي بلغت 300 مليار دولار، وذهب حدّ الإعلان عن السماح للشركات الأميركية بيع معدات إلى أكبر الشركات الصينية في تكنولوجيا الاتصالات«هواوي»، ولم يمض شهر على وضع وزارة التجارة الأميركية«هواوي» في القائمة السوداء.
والحِكم اليابانية هي الحكم الصينية منمنمة ومصقولة، وبينها «نحن نفهم القليل من النصر، ونفهم الكثير من الهزيمة». وكلا النصر والهزيمة اختلطا في «قمة أوساكا»، مثل«الاقتصاد العالمي»، المسؤول عن تقسيم البلدان إلى ثرية وفقيرة، و«التجارة والاستثمارات»، والتي تحقق الثراء لبعض البلدان على حساب بلدان أخرى، و«الإبداعات التكنولوجية»، وفي مقدمتها«العقل الاصطناعي» و«إنترنت الأشياء»، الذي يتوقع أن يجعل البشر الآليين يتحكمون بالعالم، ثم«البيئة والطاقة» وفيها«تغير المناخ»الذي يعتبره ترامب أكذوبة.
وتقول الحكمة اليابانية «رؤية من دون فعل أحلام يقظة، وفعل دون رؤية كابوس». والكابوس وقوع جميع دول«مجموعة العشرين» على المحيطات، حيث عُثر أخيراً على شواطئ جزر صغيرة في المحيط الهندي اسمها«كوكوس»، ويقطنها 600 نسمة فقط على 414 مليون قطعة بلاستيك، تزن 238 طناً، ونحو مليون حذاء و373 فرشاة أسنان، حسب تقرير نشرته مجلة العلوم«نيتشر».

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟