صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

الفقراء والأغنياء..فجوة مناخية تتسع


تسلم مجلس حقوق الإنسان بداية الأسبوع الماضي، تقريراً صادماً، خط سطوره المُقرر الخاص للأم المتحدة المعني بالفقر المدقع، فيليب آلستون، حذر فيه من أنه حتى لو تم تحقيق الأهداف الرامية لخفض انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وإبطاء معدلات الاحتباس الحراري، سيُدفع الملايين من البشر تجاه حافة هاوية الفقر، بينما سيشتري الأثرياء طريق الهروب من الجوع، في وقت ستزداد فيه معاناة بقية أفراد الجنس البشري.
وضرب المقرر الخاص مثالاً لتوضيح هذه النبوءة، بإعصار «سيدني» الذي ضرب مدينة نيويورك عام 2012، حيث عمدت البنوك الكبرى في حي مانهاتن الشهير لحماية مبانيها وممتلكاتها من الفيضان المرافق للإعصار بالاعتماد على الآلاف من أكياس الرمال، مستخدمين مولدات كهربائية ضخمة لتجنب انقطاع التيار الكهربائي، وشرع الأغنياء والأثرياء في حماية منازلهم وقصورهم من خلال توظيف شركات إطفاء أو دفاع مدني خاصة، مدفوعة الأجر، بينما كان الآلاف من سكان المدينة ينزحون المياه من بيوتهم ومنازلهم باستخدام الجرادل وما توفر لهم من سبل بدائية، وفي الظلام الدامس. هذا الوضع، وعلى حسب توصيف المقرر الخاص، سيشابه حالة الفصل العنصري التي سادت جنوب أفريقيا خلال عقود طويلة، بين البيض الأغنياء والسود الفقراء.
وبخلاف هذا الفصل العنصري، أو الفجوة بين من يملكون وبين من لا يملكون، في مدى فداحة ووقع تأثيرات وتبعات التغير المناخي الحادث والمتوقع، لن تقتصر على أفراد المجتمع الواحد، بل ستتضح بشكل أكثر فجاجة بين الدول والمجتمعات المختلفة. حيث تشير التقديرات والتوقعات بأن الدول النامية والفقيرة ستتحمل 75 في المئة من تبعات وكلفة التغيرات المناخية، على الرغم من أن النصف الأفقر من سكان العالم مسؤولين عن 10 في المئة فقط من غازات الاحتباس الحراري، مما يشكل نوعاً خاصا من الظلم المناخي.
ويتفق هذا التقرير في مضمونه وخلاصته، مع تحذير مماثل صدر عام 2007 عن فريق خبراء دولي خاص بالتغيرات المناخية (IPCC)، نص على أن العبء الأكبر، اقتصادياً، وسياسياً، وأمنياً، سيقع على كاهل أفقر فقراء العالم، وبالتحديد على صعيد نقص الغذاء وانتشار المجاعات، وما سيترافق مع ذلك من نزاع وصراعات مسلحة، وخصوصا على مصادر المياه العذبة.
هذه الصراعات والتي أصبح يطلق عليها في مفاهيم الأمن القومي والدولي مصطلح حروب المياه (Water Wars)، أشارت إليها تقارير الأمم المتحدة سابقا، حيث توقعت أن التنافس على مصادر المياه العذبة، سيصبح السبب الأول للصراع في أفريقيا خلال الخمسة وعشرين عاما القادمة. هذه الصراعات ستقع في الغالب بين الدول الأفريقية التي تتشارك في البحيرات وتقطع أراضيها الأنهار نفسها. أما في منطقة الشرق الأوسط فيؤمن بعض المؤرخين بأن التنافس على مصادر المياه العذبة كان السبب الخفي خلف بعض الصراعات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، وهو الاعتقاد الذي يمتد أيضا إلى التوقع بأن التنافس على مصادر المياه العذبة سيكون السبب الرئيسي خلف الصراعات التي ستشهدها المنطقة في المستقبل.
وبخلاف حروب المياه، يذهب البعض إلى التوقع بأن التغيرات المناخية سينتج عنها تزايد في ظاهرة العنف، وما يقترن بها من وفيات وإصابات. فعلى حسب دراسة صدرت عن جامعة بيركلي كاليفورنيا في 2013، ظهر وجود علاقة واضحة عبر فترات التاريخ المختلفة، وفي جميع قارات ومناطق العالم، بين التغيرات المناخية وبين العنف البشري والصراع المسلح. وبرهن القائمون على الدراسة استنتاجاتهم ذلك من خلال عدة أمثلة؛ كزيادة معدلات العنف المنزلي في الهند خلال فترات القحط والجفاف، والارتفاع الملحوظ في جرائم الاعتداء البدني، والاغتصاب، والقتل، في الولايات المتحدة، خلال موجات القيظ الشديد. بل يذهب بعض العلماء إلى التأكيد على قوة ومتانة العلاقة بين المناخ وبين أحداث العنف الواسعة النطاق، وإلى الإيحاء بأن بعض الصراعات العرقية الحديثة في أوروبا، والحروب الأهلية في أفريقيا، ترتبط بشكل ما بارتفاع درجات الحرارة.
وبعيداً عن الجوانب الاقتصادية والبيئية والسياسية والأمنية والاجتماعية، للتغيرات المناخية، تحمل هذه القضية أيضاً جانباً صحياً بالغ الأهمية، يتجسد في تبعات تلك التغيرات على حجم العبء المرضي، وعلى معدلات الوفيات بين أفراد العديد من الشعوب والمجتمعات. فبخلاف الإصابات والإعاقات التي تنتج عن الأعاصير المدمرة، وعن حرائق الغابات والمناطق الطبيعية، وعن الفيضانات، أو المجاعات وأمراض سوء التغذية الناتجين عن فترات القحط والجفاف، تؤثر التغيرات المناخية على (بروفايل) الأمراض، من حيث مدى ونطاق انتشارها، ومعدلات الإصابات والوفيات الناتجة عنها.
*كاتب متخصص في الشؤون العلمية والطبية

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟