خلال الجزء الغالب من القرن الماضي، ظلت منطقة الشرق الأوسط على هامش جدول الأولويات والاهتمامات الأميركية، كما يقول الكاتب والباحث الأميركي كينيث بولاك. وقد تمثل هذا الإهمال في ضعف ومحدودية الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة، في الدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المنطقة. وإذا كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، قد أظهرت لأميركا بعضاً من نتائج ذلك الإهمال وتكلفته، فإنها لم تكن الحدث الأول ولا الوحيد الدال على غضب شباب المنطقة ونقمتهم عليها. ففي هذا الكتاب، يرد المؤلف ديفيد هاريس، جذور هذا الغضب إلى إيران، بل تحديداً إلى الرابع من نوفمبر عام 1979.
ففي ذلك التاريخ هاجم 300 طالب إيراني، السفارة الأميركية في طهران، واحتجزوا 66 دبلوماسياً وموظفاً وجندياً أميركياً كانوا داخل مبنى السفارة. وإثر ذلك الحدث، نشأت أزمة الرهائن الأميركيين، التي استمرت لمدة تجاوزت العام، ونشأت معها أزمة العلاقات الأميركية الإيرانية، المستمرة إلى اليوم. فهل كانت تلك الأزمة سبباً أم نتيجة؟
برأي الكاتب أن هجوم الطلاب الإيرانيين، كان دافعه الرئيسي دعم وتأييد الولايات المتحدة للشاه رضا بهلوي، الذي أذاق شعبه الأمرين، ونال غضبه عليه وعلى الولايات المتحدة التي كانت تقف إلى جانبه وتؤازره في كل ما ألحقه بشعبه من عذاب وتنكيل وكبت للحريات. وحتى بعد مضي عام كامل على سقوط نظامه، ظل الغضب الإيراني محتقناً في الصدور، واستمر البحث عن وسيلة لصفع الولايات المتحدة على ما فعلت، إلى أن جاء الطلاب المذكورون، ليعلموا شعبهم كيف يكون الانتقام من واشنطن.
ومن رأي المؤلف أن ممارسات ومواقف الولايات المتحدة، سواء كانت في إيران أم غيرها من دول المنطقة، هي التي كانت في معظم الأحيان وقوداً وقوة دافعة، لمثل ردود الفعل هذه. ففي إيران نفسها على سبيل المثال، أقدمت إدارة الرئيس الأسبق إيزنهاور على المشاركة الفاعلة في إسقاط نظام محمد مصدق في عام 1953، مع العلم بأنها كانت حكومة منتخبة ديمقراطياً وتتمتع بشعبية كبيرة وسط الإيرانيين. وقد أثار ذلك الموقف بحد ذاته، تساؤلات كبيرة، وشكوكاً عميقة خامرت الإيرانيين حول مدى جدية ومصداقية الديمقراطية الأميركية نفسها.
ولا يزال يعلق في أذهان الإيرانيين السؤال: كيف تسقط أكبر دولة ديمقراطية في العالم –كما تدعي- نظاماً ديمقراطياً منتخباً ارتضاه الشعب؟ وليس ذلك فحسب، بل عمدت واشنطن إلى غض الطرف عن كل ما كان يفعله الشاه الذي حل محل محمد مصدق، بالإيرانيين. وفي ذلك التجاهل بالطبع تأكيد قاطع على الشكوك التي ثارت في خاطر الشعب الإيراني. ومع أن إدارة كينيدي حاولت أن تدفع بالشاه على خطى الإصلاح، وفرضت عليه نوعاً من الرقابة والضغوط التي استمرت وأثمرت لبعض الوقت، إلا أن إدارة نيكسون جاءت من بعدها، لتغمض عينيها، وتتجاهل استبداد الشاه ونظام حكم دولته البوليسية القابضة.
ومن تلك التجربة الإيرانية، كان الأحرى بالولايات المتحدة أن تتعلم الدرس، وتدرك الدوافع التي حدت بتنظيم "القاعدة" وقائده أسامة بن لادن، لتنفيذ الهجمات الدموية عليها، في عقر دارها. وعلى حد قول الكاتب، فإن أهم ما يجب أن تتعلمه واشنطن، وهي لم تزل بعد في منتصف الطريق في حربها على الإرهاب، هو ما أشاعته في نفوس العرب والمسلمين من مشاعر إحباط، كانت نتيجتها وثمارها المريرة هي الإرهاب نفسه. وما لم تبذل الولايات المتحدة المزيد من الجهد وتبدي من العزم والإصرار على تغيير صورتها الراسخة في أذهان شعوب المنطقة، فإنه ليس مستبعداً أن يكون ذلك الماضي الحالك، هو مستقبلها الوحيد، الذي تتطلع إليه في معظم البلدان الشرق أوسطية.
وقد دفع المؤلف ثمناً كبيراً لنشر هذا الكتاب وجعله متداولاً ومقروءاً لدى المهتمين بمستقبل العلاقات الخارجية مع منطقة الشرق الأوسط. فقد طال مقص الرقيب، الكثير من معلوماته. ولا تزال بعض الأجزاء والمعلومات المحذوفة، ذات أهمية كبيرة لفهم طبيعة هذه الأزمة وأبعادها وتداعياتها.
وكما لاحظ كينيث بولاك، فإنه لم يرد أي ذكر في أي موضع من الكتاب، لحقيقة بعثة الجنرال روبرت هويزر، الذي كلفه الرئيس جيمي كارتر، بمهمة إقناع الجيش الإيراني بأحد أمرين: إما أن يدعم الحكومة الليبرالية التي خلفها الشاه وراءه، أو أن يدبر انقلاباً عسكرياً ضد قوى التغيير الجديدة التي صعدت إلى سدة الحكم. وكما يبين المؤلف في الفصول الأخيرة من الكتاب، فقد كان "بني صدر"، من بين الشخصيات الإيرانية العالمة بما فيه مصلحة وطنية لإيران ولشعبها، إلا أنه كان فاقداً للحيلة وخسر كل المعارك السياسية الداخلية التي خاضها.
فأين كانت أميركا من كل هذا؟ وماذا كانت النتيجة؟. كما هو معلوم في التاريخ الإيراني المعاصر، فقد كان الفوز حليف المتشددين الذين تناصبهم واشنطن ألد العداء. ولكن الغريب في الأمر – كما يقول المؤلف- ألا تتعلم أميركا الدرس وتدرك أن سياسات وممارسات شبيهة بتلك التي حدثت في إيران، هي التي ترجح احتمال استبدال ال