صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

يا للعمارة من حياة

«ذُرمُوس» كلمة يونانية تعني الطريق أو الدرب، وهي عنوان الكتاب الجديد للمهندس المعماري العراقي «معاذ الألوسي». وتُلخّص سطورٌ وضعها في الغلاف الخلفي للكتاب دروبَ المهنة التي أبدع خلالها أعمالاً معمارية في بلدان عدة، حيث عمله في البناء يستدعي الالتزام بمقاييس دقيقة، سواء في النهوض وحمل الأثقال، أو في المقاييس الجمالية المعتمدة، وبعضها ناتج بالضرورة عن علاقات المكان ومطالب الزبائن المتغيرة والفردية. «لكن دعوني أعترف أنني لا ألتزم كثيراً بالقياسات، بل تقودني الاضطرابات الناتجة عن الذاكرة وسورات غضبي وألوان عاطفتي. وأنا أخلط المعلومات بالحكايات، بالتعليقات والاحتكاكات الجانبية، وبالثرثرة، وبالدسائس البغدادية، معبراً عن نفسي، عن حياتي ورغباتي».
ويزخر الكتاب بأسماء عشرات من مهندسي العراق، ورساميه، ومصمميه، ومبرمجيه، وأسطواته المعماريين، ومقاولي الإنشاءات، أحبّهم «الألوسي» من دون مقياس، وبينهم «رفعة الجادرجي»، وعلاقته معه حافلة بالمفارقات، لكنه يعترف بأنه يدين له بتوجيهاته القيمة، «فهو من دفعني إلى المعترك العملي المهني جداً في تفاصيله وتعابيره. ورسم مساري المهني، وعلى نحوٍ ما هيّأ لي الحظوظ التي واتتني واستمتعت بها في سيرتي المهنية».
وموهبة «الألوسي» في تصاميمه المعمارية، وفي أعماله الفنية التي تدر دخلاً يعينه الآن وهو مغترب دون تقاعد في «ليماسول» بقبرص، حيث يستعيد أجمل القصص في كتابه، مثل قصة الشاب الكردي «جلال» الذي كان يعمل في «المكتب الاستشاري» في بغداد، وعاد بعد تسريحه من الجيش يسأله عن عمل، وانتظره أياماً عدة في مرآب المكتب. و«تكررت القصة مع التعنت الكردي المعروف» الذي جعل «الألوسي» يتألم لحاله، ويسأل «الجادرجي» مساعدته، فوجدوا الحل بتعيينه وتدريبه على ماكنة طباعة «أوفسيت»، وخلال بضعة شهور أصبح «جلال» أفضل طباع «أوفسيت»، وتدرج حتى أصبح رئيس طباعين في «مديرية المساحة العامة» الحكومية المسؤولة عن الإنشاءات في العراق.
ويا للعمارة من حياة شاقة لذيذة، وخطرة عاشها «الألوسي» الذي تنقل كالبدوي الرحال عبر البلدان، يؤسس ويعيد تأسيس مكاتب في بغداد، وبيروت، والكويت، وزيوريخ، وأرمينيا، وأثينا، وقبرص، والكونغو برازفيل، أرض «الغوريلا»، حيث يتنازع كعكة المقاولات الرئيس وزوجته وصديقته ووزير أشغاله وزعماء القبائل، فيما ينظم وسطاء لبنانيون الصفقات.
والتقاليد لا تموت، بل نتوارثها كأننا نكرر حياة أجدادنا. «أبو الثناء محمود شهاب الدين الألوسي»، مفتي بغداد مطلع القرن التاسع عشر، عاش حياة أشدّ خطورة وعنتاً وحتى إثارة من حياة «معاذ» الذي فرّ بعائلته مما يسميها «دائرة الخوف العراقية»، فيما عزلت جده الأكبر النزاعات على السلطة، وغادر بغدادَ بحثاً عن العدالة لدى «الباب العالي» في إسطنبول، وكتاباه المشهوران «نشوة الشمول في السفر إلى أسلامبول» و«نشوة المدام في العودة إلى دار السلام» يُضاهيان بحيويتها ورشاقة لغتهما إبداعات المعاصرين.
وكتاب حفيده «الألوسي»، كحياته، زاخر باستطرادات بديعة، مثل كلمة «توابع» التي يطلقها على أحياء في بغداد تُسمى مدناً، مثل المنصور، وبغداد الجديدة، والمأمون، والحرية، والقاهرة، والعامرية، والسيدية.. وتمتد هذه المدن التابعة أفقياً، ولا علاقة لها بنهر دجلة الذي كان يحدّ العمران غرباً عند «نهر الخر»، وشرقاً عند «سدة ناظم باشا».
ويستطرد «الألوسي» في الكشف عن «معارك المعماريين، وسببها الجشع المهني، والآن ها هم المعماريون باتوا شذر مذر بسبب الحروب، وها هي العمارة تصاب بالتفاهة بعد خراب الوطن».
و«ذُرمُوس» هو الثالث من مذكرات «الألوسي»، وتحمل كلها عناوين يونانية، مستوحاة من إقامته منذ حوالي ثلاثة عقود في «ليماسول» في قبرص. عنوان الأول «نوستوس»، ومنه «النوستالجيا»، أو الحنين إلى الوطن، وكتابه الثاني «توبوس»، ويعني باليونانية «المكان المُسجل بالطابو». ويقارِنُ «الألوسي» نفسه في ختام كتابه الحالي بـ«باخرة تتوغل في المحيط ببطء، وببطءِ أيضاً، بخلسة تختفي!». لا تختف يا «ألوسي» قبل أن تؤلف كتاب الوداع «أفتيو» (Avtio) حافلاً بالرسوم والحكايات!

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟