ربما يكون السباق الرئاسي الأميركي لعام 2004 أحد تلك الانتخابات النادرة التي يتنافس فيها التورط في الخارج مع المشكلات الداخلية كعامل تقرير في النتيجة الحاصلة. نعلم أن “بيل كلينتون” شن حملته في عام 1992 تحت شعار يقول “إن الاقتصاد هو الأهم أيها الغبي”. لكن الأمر ليس دوماً كذلك. ذلك أن “ريتشارد نيكسون” شن حملته الانتخابية في عام 1968 استناداً إلى خطة خيالية سرية لإنهاء حرب فيتنام. أما الرئيس “كارتر” في عام ،1980 فقد تعرض للأذى بسبب أزمة الرهائن وأيضاً بسبب الاقتصاد المخيب للآمال. أما الكونغرس والمرشحون الديمقراطيون، الذين انشغل بالهم بآثار حرب العراق، فقد تشتت انتباههم بسبب مسائل كبرى مثل برنامج الرعاية الطبية (Medicare)، والطاقة، وشبكات الطاقة الكهربائية والضمان الاجتماعي. وعلى سبيل المثال، يخشى المدافعون عن رفاه الأطفال أن يجري بالفعل تفكيك برنامج الدراسة التحضيرية (قبل سن المدرسة الفعلية). وينتاب الأسى “ماريان رايت إيدل مان”، وهي رئيسة “صندوق الدفاع عن الأطفال” ومؤلفة العبارة الشهيرة: “لاتتركوا طفلاً وراءكم”، وذلك لأنها لا تستطيع الحصول على جلسة استماع أولية في البيت الأبيض أو الكونغرس.
في هذه الأثناء، يبدو أن الكونغرس مستغرق في كيفية توزيع المسؤوليات بين البيت الأبيض والـ”سي آي إيه” فيما يتعلق بغزو تتعرض مبرراته على نحو متزايد للمساءلة والتمحيص. وتسترعي التعقيدات المصاحبة انتباه المراقب-ومنها المذكرة التي أصدرها وزير الدفاع “دونالد رامسفيلد” وفيها يعترف بالهواجس والشكوك حيال تقدم الحرب، وهناك أيضاً التصريحات المعادية للإسلام التي أطلقها أحد جنرالات البنتاغون في خطاباته، وكذلك هناك تسريب المعلومات السرية التي من الواضح أن الغرض منها كان إرباك الدبلوماسي الذي لم يلعب دوراً في اللعبة العراقية النووية بالأسلوب الذي يتبعه البيت الأبيض. ويبين استطلاع للرأي أجرته مجلة “نيوزيويك” مؤخراً أن 46 في المئة من الناخبين الأميركيين يؤيدون إعادة انتخاب الرئيس “جورج دبليو بوش” لفترة رئاسية ثانية (في مقابل 47 في المئة يعارضون ذلك). ويبين الاستطلاع أيضاً أن 56 في المئة من المشمولين بالاستطلاع يريدون عودة القوات الأميركية إلى البلاد. ويعني ذلك ارتفاع نسبة هؤلاء بمقدار 7 في المئة في غضون شهر واحد. وينبغي أن يتذكر الناس مع مرور الأيام أن الحرس القومي، وهو قوة قوامها 728 ألف جندي، لديه ناخبون في كل دائرة من دوائر انتخابات أعضاء الكونغرس الأميركي. ويبدو أن الرئيس “بوش” يتخذ في الوقت الراهن موقفاً دفاعياً. ففي أعقاب مقتل 35 شخصاً في بغداد في يوم واحد، بمن فيهم ضابط أميركي برتبة كولونيل، قال الرئيس”بوش”: “كلما أحرزنا مزيداً من التقدم على الأرض ...كلما ازدادت شدة يأس هؤلاء القتلة”. والآن لدى إدارة “بوش” خطة من أجل تسريع عمليات تدريب الميليشيات العراقية، وذلك على أمل أن هذا سيؤدي إلى تسريع عودة جنود القوات الأميركية إلى ديارهم. من السابق جداً لأوانه أن نجزم في شأن ما إذا كانت الحرب عاملاً رئيسياً في الانتخابات الأميركية المقبلة. وإذا كان مقدراً أن يبقى العراق مشكلة بعد سنة من الآن، فإنه من الممكن أن يتحول إلى عامل ذي أهمية وتأثير- وربما يكون العامل الأهم على الإطلاق في الانتخابات الوطنية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة " كريستيان ساينس مونيتور "