صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

قمة «طريق الحرير»


«الفضيلة لا تُترك واقفة لحالها، فلمن يتبعها جيران». قال الحكيم الصيني «كونفشيوس» قبل أكثر من ألفي عام، وكأنه يرسم خريطة قمة «طريق الحرير» التي عُقدت في بكين الأسبوع الماضي، وحضرها زعماء نحو أربعين دولة. وكما قال «كونفشيوس» أيضاً، فإنه «مع الوقت والصبر، تصبح ورقة التوت فستاناً من حرير». وهذا ما أصبحت عليه شبكة «طريق الحرير» التي تغطي الآن بلدان جنوب شرق آسيا، والتي حضر جميع زعمائها، كما حضر زعماء من آسيا الوسطى. ورغم توقعات الإعلام الغربي السلبية، فقد حضر القمة 12 من زعماء دول أوروبا، ضمنها النمسا، وقبرص، والبرتغال، واليونان، وإيطاليا، وخمسة من زعماء أفريقيا، على رأسهم مصر ثم إثيوبيا وكينيا وجيبوتي وموزمبيق. ولعل الغائب الآسيوي الأكبر كان الهند، والتي هي مستاءة من «الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني» بدعوى أنه يمر بأراض تعود لها. وسبب استياء الهند الحقيقي أكبر من ذلك، فمبادرة «الحزام والطريق»، كما تسميها «بكين»، تغير الوضع الجيوبوليتيكي، ليس لآسيا فحسب بل للعالم ككل.
وكأيام الأممية الخوالي، دخل الزعيمان الصيني والروسي مترافقين إلى مكان التقاط صور زعماء العالم، وذَكَر الرئيس «بوتين» مرات عدة في مؤتمره الصحفي حكمة وفلسفة ونعومة الصينيين، وكاد يدعوهم «الرفاق»!.. والتاريخ لا يكرر نفسه، بل يؤكد نفسه، كذلك مكان الرئيس المصري في قمة «طريق الحرير» أكدّه مكان مصر التي كانت تجتذب عام 2001 عبر «قنال السويس» 34% من البضائع المارة في البحر المتوسط والباقي يمكث فيه، أو يُنقل عبر موانئ شمال أوروبا، مثل «روتردام» و«هامبورغ». كشفت ذلك دراسة الأكاديميين الإيطاليين «أنريكو فاربيلا» و«جيورجيو بوردي»، وجاء فيها أن نسبة البضائع المارة عبر «قنال السويس» تبلغ الآن 56% والباقي يظل في المتوسط. مركزية «البحر المتوسط» ضاعفها توسع «قنال السويس» عام 2017، حيث تضاعفت مرتين الحمولة اليومية للبضائع المنقولة عبره، وترافق ذلك مع ظهور بواخر شحن عملاقة، تراوح سعة حمولتها ما بين 13 ألف و22 ألف حاوية قياسية. وفي الأسبوع الماضي مرت من «قنال السويس» أضخم باخرة في العالم، قادمةً من اليونان إلى ميناء العقبة الأردني، ويبلغ طولها نحو 350 متراً وحمولتها الكلية 170 ألف طن، وعلى متنها نحو 4 آلاف مسافر، ودفعت رسوم عبور تقارب المليون دولار.
وتتميز رؤية الصين للعرب عن الغرب في اعتبار العرب أمة «طريق الحرير». ظهر ذلك في «وثيقة سياسة الصين العربية» الصادرة عن الحكومة الصينية عام 2016، والتي تذكر أن الصين والعالم العربي يغطيان سُدس مساحة اليابسة، وما يقرب من رُبع سكان العالم، وثُمن حجم الاقتصاد العالمي. ورغم أن الجانبين، الصيني والعربي، يتباينان من حيث الموارد والإمكانيات ومستوى التنمية، غير أن كليهما يمر بمرحلة مهمة في مسيرته التنموية، ويضطلعان بمهمة مشتركة لتحقيق النهوض القومي وتقوية وإثراء الأوطان، الأمر الذي يتطلب تضامناً وتنسيقاً أوثق بين الجانبين، ويستدعي التواصل والاستفادة المتبادلة في استكشاف الطرق التنموية، وتعزيز التعاون.
وإذا كان المنتدى الأول الذي عقد عام 2017 استكشافياً، فقد شهد الثاني عقد صفقات بنحو 64 مليار دولار، وفقاً لما أعلنه الزعيم الصيني في حديثه الختامي، والذي ذكر فيه انضمام بلدان جديدة لبرامج بناء الهياكل الارتكازية، بينها غينيا الاستوائية، وليبيريا، ولوكسمبورغ، وجامايكا، وبيرو، وبربادوس، وقبرص، واليمن. وأثار انضمام إيطاليا ردود أفعال كبيرة لأنها أول بلد من بلدان السبعة الكبار يفعل ذلك. وتحوّلت مقاطعة واشنطن الجزئية للمنتدى الأول إلى حرب تجارية. وهذه حرب مصالح، يتحقق النصر فيها للصين التي «ترُدّ بتعقل حتى على التعامل غير المتعقل» حسب الفيلسوف «لاو تزو» الذي يُكّمّلُ حكمة كونفوشيوس.

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟