صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

تفاوتات «الحزام والطريق»



مع دخول المشروع الصيني العملاق المسمى «الحزام والطريق» حيز التنفيذ ستتغير معه تمام طبيعة الصراع الدولي للهيمنة على طرق التجارة، ففي الماضي تسابقت الدول الكبرى للسيطرة على طرق التجارة الدولية والممرات والموانئ البحرية الاستراتيجية بالطرق العسكرية، كرأس الرجاء الصالح الواصل بين أوروبا والشرق، وبالأخص الهند، حيث كان للإمبراطورية البريطانية حصة الأسد في هذه الهيمنة.
وتغيرت أصول اللعبة مرة أخرى بعد الحرب العالمية الثانية بعد بروز دول عظمى أخرى، كالولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وذلك من خلال استقطاب دول تمر بها ممرات تجارية رئيسية، إلا انه مع ولوج القرن الحادي والعشرين والتطور المذهل للاقتصاد الصيني لم تعد القوة العسكرية أو عمليات الاستقطاب السياسي هي من يحدد الهيمنة على طرق التجارة العالمية، بل أضحي الاقتصاد والاستثمارات الهائلة في مشاريع البنى التحتية للتجارة، هي من سيحدد موقع ودور كل دولة وأهميتها في تسيير خطوط التجارة والنقل.
من هنا جاء المشروع الصيني العملاق «الحزام والطريق»، الذي خصص له مبلغ كبير يتجاوز 2 تريليون دولار لربط قارات العالم، وبالأخص آسيا وأوروبا وأفريقيا ضمن شبكة دولية والذي يعيد للذكرى طريق الحرير في صورة حديثة، حيث تفاوتت مواقف دول العالم من هذا التوجه الصيني، والذي يمضي قدما نحو استكمال مكوناته رغم التحديات والممانعات التي تثيرها بعض القوى العظمى.
بعد انضمام عدد كبير من الدول، وبالأخص النامية منها وتأييدها لهذا المشروع واستعدادها لفتح موانئها واستقبالها للاستثمارات الصينية، حسمت دول أوروبا الغربية أمرها مؤخراً لتعلن استعدادها للمساهمة في المشروع الصيني، وذلك رغم المعارضة الشديدة من قبل الولايات المتحدة التي تقف أمام الانضمام الأوروبي للحزام والطريق، إلا أن أوروبا قررت المضي قدماً رغم المعارضة الأميركية، إذ وصفت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل خطة «الحزام والطريق» بالمشروع المهم الذي يريد الأوروبيون المشاركة فيه، مضيفة أننا نحن الأوروبيون نريد أن نضطلع بدور نشط في هذا المشروع، وهو الموقف نفسه لدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كما أن إيطاليا ذكرت على لسان رئيس وزرائها أنها تنوي المشاركة بفعالية في المشروع الصيني.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن روسيا بأراضيها الشاسعة، وكذلك العشرات من الدول الآسيوية والأفريقية، بما فيها الكبرى منهم أعربت عن استعدادها للمشاركة في مشروع الحزام والطريق، إذ قال «تشينغ تشي» رئيس بنك التنمية الصيني في منتدى «بواو» الشهر الماضي «إن البنك قدم تمويلاً بقيمة 190 مليار دولار لأكثر من 600 مشروع ضمن خطة البنية التحتية للحزام والطريق منذ عام 2013، وهو ما يشكل 34% من إجمالي الأنشطة العالمية للبنك، مما يعكس الأهمية الكبيرة التي توليها الصين هذا المشروع.
وفي هذا الصدد اتخذت كل من الإمارات والسعودية والكويت قرارات صائبة ومهمة بإعلان مشاركتها في مشروع «الحزام والطريق»، خصوصاً وأنها تحتل موقعاً تجارياً يقع على تقاطع طرق تجارية حيوية، مما سيحولها إلى لاعب أساسي ضمن هذا المشروع المستقبلي الذي سيضفي المزيد من الأهمية الاقتصادية للدول المشاركة فيه.
تبقى معارضة الولايات المتحدة محل تساؤل، عل اعتبار أنها مجرد معارضة ضمن التنافس بينها وبين الصين التي يأتي اقتصادها في المرتبة الثانية، كأكبر اقتصاد عالمي ويتوقع أن يحتل المركز الأول متجاوزا الاقتصاد الأميركي مع حلول العقد الرابع من هذا القرن، فالولايات المتحدة تعارض دون أن تقدم البديل لدول العالم، إذ أن معظم البلدان لا تريد أن تُفوّت على نفسها هذه الفرصة الاقتصادية المهمة في ظل غياب البديل، مما يعني أن واشنطن أمامها أحد الخيارين، إما الانعزال، وهو ما سيكلفها الكثير ويزيد من حدة الصراع التجاري، وإما الانضمام للمشروع الصيني، وهو ما سيعزز التعاون الدولي ويفتح آفاقاً تجارية جديدة ومربحة، ولكن بقيادة التنين الصيني هذه المرة.
*مستشار وخبير اقتصادي


 

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟