أكد القادة العرب عبر «إعلان تونس» في 31 مارس الماضي، أهمية تعزيز العمل العربي المشترك المبني على منهجية وأسس متينة تحمي أمتنا العربية من الأخطار المحدقة بها، وتصون الأمن والاستقرار، وتؤمن مستقبلاً مشرقاً واعداً يحمل الأمل والرخاء للأجيال القادمة، وذلك انطلاقاً من أنها «مرت بمنعطفات خطيرة، وأدركت ما يحاك ضدها من مخططات تهدف إلى التدخل في شؤونها وزعزعة أمنها، والتحكم في مصيرها، الأمر الذي يدعونا إلى أن نكون أكثر تعاوناً وتكاتفاً وعزماً على بناء غد أفضل لتحقيق آمال وتطلعات شعوبنا».
جاء هذا الإعلان، في وقت يعيش فيه العالم على وقع التكتلات، بعد أن اقتنعت الدول أنها وحدها لا تستطيع أن تبني وتحقق التنمية المرجوة، وأن تطور المصالح وحركة المال والتجارة والسلع، عالمية ومتحركة وعابرة للقارات. ويشهد النظام العالمي تطوراً لدور الأقاليم التجارية، في خضم الصراع القائم على قيادة العالم اقتصادياً، مع ازدياد عدد الاتفاقيات الإقليمية التي وضعت موضع التنفيذ والبالغ 253 اتفاقية.
في العقود الماضية، جرت محاولات عدة لخلق تكتلات اقتصادية إقليمية، بدأت عام 1948، إثر النكبة باحتلال فلسطين وإنشاء إسرائيل، عندما بدأ حلم الوحدة الاقتصادية يراود العرب من المحيط إلى الخليج، بهدف الدفاع عن حقوقهم وحفظ ثرواتهم وتحصينها، والتفاعل مع الاقتصاد العالمي ككتلة واحدة وكيان واحد، في وقت لم يكن في العالم أي كتلة اقتصادية، بما فيها مجموعة السوق الأوروبية التي أصبحت اتحاداً يضم 27 دولة باقتصاد متكامل وعملة موحدة، في حين أن «الحلم العربي» لا يزال حلماً ودونه صعوبات سياسية وأمنية، على الرغم من أهمية أهدافه الاقتصادية والاجتماعية، لبناء الإنسان العربي.
في السنوات الأخيرة، أنتجت الصراعات الأمنية والسياسية خسائر مالية واقتصادية كبيرة قدرت بأكثر من تريليون دولار، وأثرت بشكل مباشر على نحو 87 مليون شخص في أربعة بلدان عربية (العراق، سوريا، ليبيا، واليمن) وأصبحت تهدد بإحداث تحولات في المشهد الاجتماعي والإنساني والسياسي والاقتصادي، وقد تؤدي إلى بروز «اقتصاد سياسي» إقليمي جديد يسهم في تحديد علاقات الدول العربية مع القوي العالمية في المرحلة القادمة، التي ستشهد حركة استثمارات كبيرة في تمويل إعادة إعمار ما هدمته الحروب، خصوصا أن المنطقة لا تزال تحتفظ بموقعها في المرتبة الرابعة عالمياً بين 7 كتل اقتصادية وتجمعات جغرافية في مؤشر «جاذبية الاستثمار» الذي يقيس إمكانات 109 دول على جذب الاستثمارات الأجنبية.كيف ستواجه الدول العربية المرحلة المرتقبة، وهي تعاني من تخلف في التنمية، والتكنولوجيا، وفقر وبطالة، وفجوات متسعة بين الأغنياء والفقراء، إلى جانب الافتقار للحريات السياسية، وغياب الخطط الإصلاحية المطلوبة؟...
أثبتت الوقائع التاريخية، أن النهضة الإنسانية بكل تجلياتها، لا تبرز إلى الوجود، إلا بعد أن يعاني الإنسان قبلها من فترات عصيبة وكوارث كبيرة، تؤدي إلى تغيير ملموس في بنية المجتمع، وركائزه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بشكل يساعد في تصويب الاتجاه نحو تحقيق هدف المسيرة الإنسانية، وبناء الإنسان وتصاعد نموه، الأمر الذي يقتضي بالضرورة القصوى، إعادة صياغة أساليب التنمية العربية، في إطار تنموي إقليمي تكاملي، يتيح للاقتصادات العربية أن تتكامل عمودياً وأفقياً، بحيث تركز على تفعيل مواردها البشرية والمالية والمادية في قيام سوق عربية مشتركة كبرى في العام 2020، تستفيد من قوة استهلاكية لنحو 422 مليون عربي، في إطار تفعيل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وإقامة الاتحاد الجمركي. إضافة إلى تسهيل انتقال الأموال بين الدول العربية، وجذب الاستثمارات الخارجية، وذلك تنفيذاً لـ "إعلان شرم الشيخ" في مارس 2015 الذي أكد على الأهمية القصوى للتكامل الاقتصادي، واعتبره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي.