عندما رأيتُ الأخبار القادمة من نيوزيلندا، الشهر الماضي، شعرت باتساع في تصدعات قلبي. إنه عمل إرهابي آخر.. عمل كراهية آخر.. وأنا أعرف شيئاً ما يعيشه حالياً سكان مدينة كرايستشرتش في نيوزيلندا، لأنه قبل أقل من خمسة أشهر، عاشت الطائفة التي أنتمي إليها شيئاً مماثلا. ففي 27 أكتوبر، قتل إرهابي 11 شخصاً من الكنيس الذي أنتمي إليه في مدينة بيتسبرغ (ولاية بنسلفانيا).
في صباح ذلك اليوم اجتمع موظفو «شجرة الحياة»، وبدأ أعضاء الطائفة يتواصلون مع ببعضهم البعض بالهاتف أو برسائل بالبريد الإلكتروني. كان علينا أن ننظم أنفسنا، وأن نفعل شيئاً ما، ليس مساعدة الناس في نيوزيلندا فقط، وإنما التصدي للإسلاموفوبيا في الداخل. وأرسل حاخام «شجرة الحياة»، جيفري ميارز، هذا النداء عبر رسالة إلكترونية إلى أعضاء الطائفة: «أطلب منكم.. أن تمدوا أيديكم ليس للجاليات التي أصيبت فحسب، ولكن لجيرانكم المسلمين أيضاً».
وانطلاقاً من تجربتنا الخاصة، نعرف أن الساعات والأيام التالية ستجلب مشاعر حزن وحيرة قوية، لكن بعد إطلاق النار الذي تعرضنا له كان ثمة شيء ما منحنا القوة. ففي وقت الخوف والألم ذاك، ظهرت قصة أخرى، قصة أمل وحب. ففي 28 أكتوبر، حضرتُ مراسم تأبين نُظمت في بيتسبرغ على عجل. سياسيون وشخصيات رفيعة جلست في الصفوف الأمامية، واستمعنا إلى خطابات مفعمة برسائل الدعم والتضامن القوية. فألقى عمدة بيتسبرغ كلمة، وكذلك فعل ممثلو الديانات المختلفة. وفي لحظة من اللحظات، وقف زعماء كل الطوائف الدينية، من مسلمين ويهود وبروتستانتيين وكاثوليك وهندوس.. على الخشبة معاً في مظهر قوي ورائع للوحدة.
وما زلتُ أذكر خطاباً واحداً أثّر فيّ أكثر من كل الخطابات الأخرى. ففي ذاك اليوم اعتلى المدير التنفيذي لمجلس بيتسبرغ الإسلامي، «وصي الله محمد»، المنصةَ، وأعلن أن المركز شرع في جمع تبرعات من أجل تغطية نفقات جنازات الضحايا. وكان المركز قد جمع آلاف الدولارات، وفي الأسابيع التالية، ارتفع المبلغ إلى مئات الآلاف. كما تعهد محمد بأن تقف جالية بيتسبرغ المسلمة مع جالية بيتسبرغ اليهودية، وعرض وأعضاء طائفته الوقوف شخصياً بأبواب الكنس اليهودية المحلية وحراستها، إن اقتضى الأمر، من أجل السماح بمرور اليهود إلى أماكن عبادتهم بأمان ومرافقتهم إن شعروا بعدم الأمان.
والواقع أنني لا أستطيع أن أشدد بما يكفي على أهمية هذه الكلمات. مسلمون يعرضون حماية يهود؟! بالنسبة لي، لا يمكن أن يكون ثمة غصن زيتون أكبر، ولا أمل في السلام أكبر من هذا الذي رأيت.
وبعد ستة أيام على ذلك، في مساء أحد أيام الجمعة، اجتمعت طائفة «شجرة الحياة» في قاعة عبادة صغيرة في «روديف شالوم»، وهو كنيس مجاور، من أجل أول صلاة سبت. وبينما كنت أنتظر بدء الصلاة، دخل أشخاص لا أعرفهم، وسرعان ما ضم الصف الذي خلفي ستة أشخاص غرباء، كن نساءً يرتدين الحجاب والعباءة التقليدية، ونظرتُ من حولي فرأيت عدة أسر مسلمة تنضم إلى الجمع. وعندما وقفت طائفتنا للصلاة، وقفوا معنا. بعدئذ شكرناهم على تضامنهم. ومن جانبهم، قدموا لنا تعازيهم ودعونا لحضور صلاة في المركز الإسلامي.
وبعد بضعة أيام، نظّم محمد فعاليةً جمعت ناجين من الهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجداً في كيبيك مع ناجين من هجوم بيتسبرغ. وقد بكى الجميع معاً ذاك اليوم.
في بيتسبرغ هناك يافطات ولوحات تحمل رسائل حب وتعايش سلمي على واجهات المنازل، ومواقع البناء، وواجهات المتاجر. ومن الرسائل المنتشرة بكثرة، واحدة بالإنجليزية والإسبانية والعربية تقول: «بغض النظر عن البلد الذي أتيت منه، فأنت مرحب بك هنا». بينما حملت لافتات أخرى عبارات من قبيل «لا مكان للكراهية هنا»، و«أقوى من الكراهية». هذا بينما علّقت بعض الكنائس لافتات مكتوب عليها «أحب كل جيرانك».
في يوم من أيام السبت في بيتسبرغ، كانت ثمة رسالة كراهية، لكنها أُتبعت بملايين رسائل الحب. وعندما سألني ابني: «لماذا يكرهنا الناس؟»، كنت قادراً على الإشارة إلى أدلة تفيد بالعكس. وبالتالي، فدعونا الآن نفعل الشيء نفسَه مع إخواننا المسلمين وأخواتنا المسلمات.
ولا شك أننا نستطيع التبرع بالمال من أجل تخفيف العبء الذي ينتظر أسر الضحايا، كما نستطيع أن نتواصل معهم ونمد لهم أيدينا من خلال رسائل حب ودعم وتضامن. وإذا كان قائد شرطة نيوزيلندا مايك بوش قد حثّ المسلمين على الامتناع عن الذهاب إلى المساجد، فربما يمكننا أن نحذو حذو محمد ونعرض نفس ما عرضه: أن نضع أنفسنا بين جيراننا المسلمين وأولئك الذين يريدون بهم الأذى. إننا نعد بمواصلة العمل معكم في معركتنا المشتركة دفاعاً عن حق أتباع أي ديانة في التعبد بسلام. وبيتسبرغ و«شجرة الحياة» تقفان مع مسلمي كرايستشرتش في نيوزيلندا.

*مولي باسكال
*كاتب وعضو كنيس «شجرة الحياة» في مدينة بيتسبرغ الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»