بينما تحلّ الذكرى الـ 70 على تأسيس حلف شمال الأطلسي «الناتو» خلال الأسبوع الجاري، يواجه هذا التحالف العسكري الفريد، المكوّن من 29 عضواً، والذي يبدو صعب المراس في كثير من الأحيان، واحداً من أصعب التحديات في تاريخه.
ولا يزال «الناتو» أقوى تحالف عسكري في العالم. لكن أكبر المخاطر التي يواجهها هو غياب قيادة أميركية مؤمنة به وبأهميته للمرة الأولى في تاريخه. وبداية من الأب المؤسس للحلف «هاري ترومان»، اعتبر جميع رؤسائنا الأميركيين «الناتو» من المصالح الأميركية المحورية، بيد أن ترامب اتخذ مساراً مختلفاً تماماً.
وبصفتنا سفيرين أميركيين سابقين لدى «الناتو» فقد أجرينا حوارات مع قادة سابقين وحاليين في الحلف في إطار تقرير جديد لمصلحة «مركز هارفارد بيلفر» بعنوان: «الناتو في السبعين.. الحلف في أزمة»، واعتبر الجميع أن أكثر المشكلات إلحاحاً وأكثرها صعوبة في الوقت الراهن هي موقف الرئيس ترامب من هذا التحالف العسكري.
ولم يحدث من قبل أن واجه «الناتو» رئيساً أميركياً لا يبدو أنه مؤمن بقوة بالحلف ذاته. وأثناء العامين الأولين في منصبه، شكّك ترامب في الالتزام الأساسي للحلف المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة التأسيس بأن: أي هجوم على أحد الحلفاء سيعتبر هجوماً على الجميع.
ودأب ترامب على انتقاد قادة دول أوروبية مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بينما أيّد قادة أوروبيون شعبويون مثل الرئيس المجري «فيكتور أوربان». وترامب هو أول رئيس يصف الاتحاد الأوروبي بأنه «خصم»، وليس شريكاً، للولايات المتحدة.
بيد أن الغالبية العظمى من القادة «الجمهوريين» و«الديمقراطيين» في الكونجرس يختلفون مع ترامب بشأن قيمة «الناتو» بالنسبة للولايات المتحدة. وربما عليهم أن يصوتوا للتصديق على تشريعات منظورة أمام لجان الكونجرس من شأنها إعادة التأكيد على التزام أميركا بالمادة الخامسة من معاهدة الناتو. وبحسب استطلاع للرأي أجراه «مجلس شيكاغو» بشأن الشؤون العالمية عام 2018، سيحظى أي تحرّك منسّق من قبل الكونجرس بدعم شعبي قوي لـ «الناتو».
وأما المنتقدون المتفقون مع ترامب فيقدمون ثلاثة أسباب رئيسية تجعلهم يعتقدون أنه محق في التشكيك في الحلف. أولاً: يقولون إن المهمة الرئيسية للحلف انتهت بنهاية الحرب الباردة. وعلى رغم من ذلك، يتجاهلون بذلك حملة روسيا الرامية إلى زعزعة الاستقرار في الدول المنضوية بـ «الناتو»، لاسيما إستونيا ولاتيفيا وليتوانيا وبولندا. ويتجاهلون أيضاً ما يقال عن هجمات بوتين على الانتخابات الأوروبية والأميركية في 2016-2018، والتي استهدفت إضعاف أنظمتنا الديمقراطية من الداخل، لذا، تبقى مهمة احتواء القوة الروسية، حتى ينتهي جيل بوتين المدرّب سوفييتياً من المشهد، مهمة أساسية لـ«الناتو». ومثلما يوضح تقريرنا، هناك تحديات جديدة باستثناء روسيا تواجه الحلف.
ثانياً: قال ترامب إن أعضاء الحلف «يستغلون» الولايات المتحدة، ولاشك أن ضعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي هو مشكلة حقيقية بالنسبة لمستقبل «الناتو». وألمانيا على وجه الخصوص عليها بذل المزيد. لكن حلفاء «الناتو» طبقوا زيادة حقيقية في الإنفاق الدفاعي للعام الرابع على التوالي، منذ ضم بوتين شبه جزيرة القرم، بزيادة إجمالية بلغت 87 مليار دولار. وفيما يتعلق بهذه القضية، سيكون من الذكاء أن يواصل ترامب تشجيع الدول الأعضاء على زيادة إنفاقها، لكن حري به أن يكون الزعيم الذي يحتاجه «الناتو» بشدّة من أجل الالتفاف من حوله.
وأخيراً: ثمة انتقاد بأن «الناتو» لم يعد يساهم بقوة في أمن الولايات المتحدة في العالم. لكن إذا نظرنا للحقائق سنجد أن كندا والحلفاء الأوروبيين هبّوا للدفاع عنّا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفعّلوا المادة الخامسة من المعاهدة. واعتبروا أن هجوم بن لادن على أميركا هجوم عليهم جميعاً. وخاض حلف «الناتو» الحرب في أفغانستان مع أميركا، حيث تكبدوا خسائر في الأرواح، وقوات معظم تلك الدول لا تزال تحارب إلى جانب قواتنا في الميدان حتى هذا اليوم.
وقد حارب أعضاء الناتو معنا أيضاً في حملة ناجحة لهزيمة تنظيم «داعش» الإرهابي في كل من سوريا والعراق. وشنوّا معنا عمليات لمكافحة الإرهاب في أفريقيا. وقد تولى الأعضاء الأوروبيون المسؤولية عن حفظ السلام في البوسنة ومعظم الأعباء في كوسوفو.
وتمنح القواعد الجوية والبحرية الأميركية في الدول المتحالفة معنا للولايات المتحدة قرباً قارياً لاحتواء روسيا في شرق أوروبا ومواجهة التهديدات الإرهابية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وهذه ميزة شديدة الأهمية للولايات المتحدة. والواقع أن «الناتو» إضافة كبيرة للولايات المتحدة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وخلال العقد المقبل، ستخوض الولايات المتحدة معركتين مع قوتين هما الصين وروسيا. والمعركة الأولى هي معركة أفكار ستتمحور حول ثقة موسكو وبكين المتزايدة في تفوّق نظاميهما.
وستكون الدول الأعضاء في «الناتو» مهمة أيضاً في معركة التكنولوجيا، إذ يتنافس الغرب مع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيا الحيوية. ولدى واشنطن فرصة أفضل للحفاظ على تقدمها العسكري النوعي على الصين. إذا ما أدرجنا القدرات العلمية والإنتاجية لجميع حلفائنا في أوروبا وكذلك في منطقة الهند والمحيط الهادئ.
وعلى ترامب أن يأخذ في اعتباره هذه الحقائق مثلما فعل سابقوه، فالولايات المتحدة ستكون داخل الناتو أشدّ قوة مما لو كانت وحدها عند مواجهة هذه التحديات.

نيكولاس بيرنز
سفير أميركا لدى الناتو من 2001 إلى 2005 وأستاذ في كلية كيندي بجامعة هارفارد
دوغلاس لوت
سفير أميركا لدى الناتو من 2013 إلى 2017، وزميل رفيع المستوى لدى مركز «بيلفر» بجامعة هارفارد
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»