صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

الهند والولايات المتحدة.. توتر تجاري


عرفت الهند والولايات المتحدة تقارباً متزايداً في السنوات الأخيرة على خلفية التخوفات المشتركة بشأن الصين، ولكن التجارة صعدت إلى الواجهة باعتبارها مجال خلاف بين البلدين بعد أن أعلن الرئيس دونالد ترامب هذا الأسبوع اعتزامه إنهاء المعاملة التجارية التفضيلية التي كانت مخصصة للهند.
ففي إطار «نظام التفضيلات»، تمنح الولايات المتحدة البلدان النامية دخولاً معفياً من الرسوم الجمركية بخصوص ما يصل إلى 4800 منتج. وقد كانت الهند في 2017 أكبرَ مستفيد من هذا البرنامج، حيث مُنح ما يعادل 5?6 مليار دولار من الصادرات الهندية لأميركا وضعَ «معفي من الرسوم الجمركية»، وفق تقرير لـ«خدمة أبحاث الكونجرس» صدر في يناير الماضي. ووفق تقارير إعلامية هندية، فإن الولايات المتحدة ما زالت تُعتبر الشريك المصدِّر الأول للهند إذ تستقبل أكثر من 48 مليار دولار من السلع من البلاد. ويُعد قرار إنهاء المعاملة التفضيلية جزءاً من جهود الرئيس دونالد ترامب لتقليص العجز التجاري لبلاده. وكان ترامب قد أشار إلى الهند في وقت سابق باعتبارها من بين مجموعة من البلدان التي تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص عجزها التجاري معها.
وقد بلغ حجم التجارة بين الهند وأميركا 74?5 مليار دولار في 2017-2018، ما يمثل ارتفاعاً بـ15?5 في المئة مقارنة مع 64?5 مليار دولار خلال السنة المالية السابقة. غير أن الأرقام تميل لمصلحة الهند. وعلى سبيل المثال، فقد استوردت الهند من الولايات المتحدة مواد تعادل قيمتها 26?3 مليار دولار في السنة المالية 2019، ولكنها صدّرت إليها ما مجموعه 38?8 مليار دولار. وإذا كانت الهند قد أعلنت أنه لن يكون لهذه الخطوة تأثير مهم على صادرات الهند إلى ذاك البلد، إذ بلغت المبالغ المدخَرة من الرسوم الجمركية على الواردات 190 مليون دولار سنوياً فقط، فإن الهند أيضا يُتوقع أن تفرض رسوماً جمركية انتقامية على ما يعادل 10?6 مليار دولار من السلع المستوردة من الولايات المتحدة.
والواقع أن هذه ليست الخطوة الأولى التي تتخذها الولايات المتحدة في مجال التجارة. ذلك أن فرضها لرسوم جمركية على واردات الصلب والألومنيوم، والذي كان يستهدف الصين في المقام الأول، أثّر أيضاً على الهند، التي كانت قد أعلنت عن زيادة انتقامية في رسوم الواردات على أكثر من 29 منتجاً أميركياً. ولكن المحادثات التجارية جارية الآن من أجل حل المشكلة في وقت أرجأت فيه الهند تطبيق القرار.
والواقع أن العلاقات بين الهند والولايات المتحدة ظلت قوية على خلفية تخوفات متبادلة بشأن صعود الصين، حيث ازداد البلدان تقارباً مع تعزيز التعاون العسكري ووعدٍ بالعمل معاً في منطقة آسيا المحيط الهادي. وفي هذا الإطار، كثّفت الولايات المتحدة تركيزها على المنطقة مؤخراً وأعادت تسمية «قيادة المحيط الهادي» التي تتخذ من هاواي مقراً لها إلى «قيادة الولايات المتحدة في المحيطين الهادي والهندي». ومن جانبها، تسعى استراتيجية الهند في المحيط الهادي، التي تتمحور حول «آسيان»، إلى تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة. غير أن عدداً من المنغصات باتت تعترض العلاقات الثنائية.
وفي هذا الصدد، يعتبر البعض أن الخطوات الأخيرة تسببت في حالة من عدم اليقين في نيودلهي. ذلك أن الرئيس دونالد ترامب رفض تلبية دعوة تلقاها من الهند لكي يكون الضيف الرئيسي خلال احتفالات «يوم الجمهورية» وسط مقاومة الهند لعقوبات الولايات المتحدة ضد إيران وروسيا. علماً بأن هذه الدعوة لا تقدم إلا لزعماء البلدان الذين تعتبرهم الهند مهمين جداً ويستحقون التكريم. كما تُعد من أهم عناصر سياسة الهند الخارجية.
ومن جهة أخرى، فإن عقوبات الولايات المتحدة على روسيا تؤثر أيضاً على الهند. وتشكّل هذه العقوبات تحديا لنيودلهي، التي تربطها بموسكو تقليديا علاقات وثيقة في مجال الدفاع. ففي الوقت الراهن، يتألف الجزءُ الأكبر من ترسانة الجيش الهندي من أسلحة روسية بشكل مستمر منذ أيام العهد السوفييتي البائد. وتتفاوض الهند حالياً مع روسيا حول شراء خمسة أنظمة صاروخية من طراز «إس 400 ترايمف»، وتسعى للحصول على إعفاء من الولايات المتحدة من أجل اقتناء هذه الأنظمة الصاروخية.
ولئن كانت ثمة جوانب من العلاقة الثنائية التي تُعتبر قوية، فإن التوترات التجارية بين البلدين ستؤثر على العلاقات الثنائية في النهاية، وستُدخل إليها عنصر عدم اليقين. بيد أنه مع الرئيس دونالد ترامب، سيكون ثمة دائماً عنصر من عدم اليقين، كما أنه على الرغم من استقرار العلاقات، فإن الهند ستتابع قطعاً الخطوات التجارية الأميركية عن كثب. ورغم أن الهند قد قللت من شأن هذه الخطوة الأخيرة باعتبار أنه لن يكون لها تأثير كبير، إلا أنه من المتوقع أن يكون لها مع ذلك تأثير. ثم إن الهند أيضاً تبحث اتخاذ تدابير انتقامية.
كل هذا أدى إلى تصعيد التوترات التجارية بين البلدين، ومن الواضح أن ثمة نزاعاً تجارياً يتطور بين البلدين. والواقع أن هناك إمكانية لأن يكبر النزاع التجاري ويمتد ليطال العلاقة الأوسع، وهو ما سيمثّل انتكاسة. وغير أن كلا من الهند والولايات المتحدة تحتاجان إلى بعضهما البعض، وخاصة على خلفية النزعة الصينية المتزايدة لتأكيد القوة.

رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟