صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

المصالح الدولية في شبه القارة الهندية

بعد تجربة أولى في السبعينيات من القرن الماضي دشّنت الهند دخولها كأحدث عضو في النادي النووي في عام 1998، بعد أن فجّر العلماء الهنود بنجاح ثلاثة قنابل ذرية تصل قوتها إلى حوالي ستة أضعاف القوة التدميرية للقنابل الأميركية التي أسقطت على هيروشيما عام 1945. وجاء الرد الباكستاني في العام ذاته حيث نجحت باكستان في تفجير ستة قنابل نووية، لتستمر الدولتان بعد ذلك كدول تملك قوة ردع نووية متقدّمة في ظل العداء التاريخي بين الجارتين، والذي بدأ منذ اللحظة الأولى لاستقلالهما عن الهيمنة البريطانية في سنة 1947، حيث استقلت باكستان كوطن يضم المناطق ذات الأغلبية المسلمة في شبه القارة الهندية، وأصبحت الهند دولة علمانية تضم حوالي 85 في المائة من الهندوس، وما يزيد على 10 في المائة من المسلمين، فضلا عن أعداد كبيرة من السيخ والمسيحيين وأعضاء الديانات الأخرى.
وقد خاضت الدولتان أربع حروب في أعوام 1947 و1965 و1971 و1999، وهذه الحروب لم تغيّر من وضع كشمير، ولكنها أسفرت عن المزيد من التقسيم وقيام دولة بنجلاديش، وزادت الضغوط على الهند في عام 1962 بعد غزو الصين المفاجئ لشمال شرق الهند، وتطوّر سياسة التنمية النووية.
وفي المقابل تعدّ باكستان أقدم وأقوى حليف آسيوي للصين، ولدى بكين صواريخ مسلّحة نووية متمركزة ضد الهند على طول حدود «الهيمالايا» وفي «التبت»، بالإضافة إلى كونها المزّود الرئيسي للأسلحة العسكرية في باكستان، ناهيك عن الوهن الذي أصاب العلاقة الهندية الروسية، وعلاقة الندّ غير المتكافئة بين الولايات المتحدة الأميركية والهند.
وكان الاختبار الباكستاني لصاروخ «غوري» في 6 أبريل 1998 عاملا رئيسيا في قرار الهند لإجراء المزيد من التجارب النووية، وتهديد المنطقة ككل بانتشار أسلحة الدمار الشامل، والتي ستلقي بظلالها على الشرق الأوسط في السنوات القادمة. فإقليم كشمير ذي أهمية كبرى لمشروع حزام «واحد طريق واحد» الصيني، وخاصة أن الصين تعتبر أكبر مستثمر أجنبي في باكستان والتي تعدّ أيضاً أكبر متلق لأسلحة الصين في العالم، كما تقوم الصين ببناء المفاعلات النووية الباكستانية، ولربما تقوم بتأجير غواصات قادرة على حمل رؤوس نووية لباكستان.
وهذه العلاقات المتميّزة مصدر قلق دائم للهند على الرغم من أن الصين تعتبر شريكا تجاريا مهما للهند أيضاً، وعلاقة الصين مع الجانبين محط اهتمام الولايات المتحدة الأميركية، والتي من مصلحتها أن تبقي مشكلة كشمير كورقة ضغط وتدّخل غير مباشر في شؤون البلدين، ويبقى خطر نشوب نزاع نووي قائما مع تنامي الشعور المستمر بالعداء الوجودي، كما يعدّ خط السيطرة الحدودي بين الجانبين الهندي والباكستاني محل نزاع مرير، حيث يتم تبادل نيران المدفعية والقناصّة بشكل روتيني.

وتكمن الخطورة على الجانبين الباكستاني والهندي على حد سواء في سيطرة فصيل معين على مفاصل القوى الأهم في البلدين، ففي الجانب الهندي يعدّ الحزب الهندوسي الذي يقود البلاد مصدر استقرار وتهديد في نفس الوقت للصراع القائم مع باكستان، وفي الجانب الآخر تعتبر وكالة الاستخبارات الباكستانية والجيش الباكستاني أجهزة محورية في اتخاذ القرار العسكري.
ففي حين تمتلك باكستان طاقة إنتاج كبيرة من البلوتونيوم، حيث يقدّر أنها تمتلك ما بين 140 إلى 150 رأس نووية حربية، وهو ما قد يرتفع بسهولة إلى «220- 250» خلال عقد من الزمن وفقاً لتقرير صادر عن نشرة «علماء الذرة»، والكثير من الأسلحة الجديدة هي أسلحة تكتيكية صغيرة وقصيرة المدى تهدف إلى استهداف قوات خط المواجهة، فقد قامت باكستان أيضاً بتمكين القادة العسكريين المحليين من شنّ ضربات نووية انتقامية في حال تعطل سلسلة القيادة عند نشوب حرب شاملة، والأسلحة النووية التكتيكية هي بالضرورة الأكثر انتشارا بين الجانبين، وبالتالي أقل أمنا من تلك الموجودة في مرافق دائمة وخاصة أن الهند تمتلك ما بين 130 إلى 140 رأس نووية، معظمها انصهارية وذات طاقة منخفضة، ولديها غواصات نووية، إلى جانب توقيعها لصفقة شراء منظومة صواريخ «إس 400» الروسية المضادة للطيران بقيمة 5.2 مليار دولار، وتمتلك الهند القدرة على إنتاج المزيد من الأسلحة الأضخم حجماً خلال وقت قصير.
وتستطيع الهند زيادة حجم ترسانتها النووية، وهي تخطط لإنتاج أربع غواصات نووية، كما ويمتلك الجانبان صواريخ بالستية والعديد من الطائرات المقاتلة والقاذفة القادرة على حمل الأسلحة النووية، مما يجعلنا نتساءل عن مدى جديّة المساعي في أن يكون الشرق الأوسط والدول المتاخمة له منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وهل هو مستهدف واقعي؟ وما هي البدائل الاستراتيجية؟! ولاشك أن الاستقرار في شبه القارة الهندية من خلال علاقات طبيعية بين نيودلهي وإسلام آباد مطلب مهم لضمان الاستقرار الإقليمي والدولي، فأي اضطراب في تلك المنطقة يزعزع الأمن العالمي.

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟