صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

صور الفراغ الاجتماعي


هل يمكن أن نجد فراغات داخل المجتمع مثلما نراها في البنايات والجسور، أم أن الكتلة البشرية الهائلة على اختلافها، تكون دوماً متلاحمة أو ممتزجة لا تترك بينها أي ثقوب أو فواصل طولية وعرضية؟ ابتداء فإن الناس لا يعيشون في بيوتهم، ولا يجلسون في مكاتبهم، ولا يسيرون في الشوارع، ملتصقين، بل هم دوماً في حالة تقابل وتجاور واختلاط، حيث يمكن أن تتصافح أيديهم، وتتماس أكتافهم، لكن ليس بوسعهم أن يحولوا كل هذا إلى تماسك شديد صارم، أشبه بصخرة صماء، أو حتى إلى امتزاج كامل مثل الشكل الذي تأخذه السوائل.
وقد يكون هذا المسار في تصور المجتمعات البشرية ينطوي على قدر من التشخيص أو التجسيد، الذي لا ينجح في تفسير ما بين الناس من تفاعلات على نحو دقيق، رغم الدراسات العديدة حول «الجسد الاجتماعي» التي أتت بعلم الأحياء إلى نطاق التفسيرات التي تسعى إلى فهم المجتمع الإنساني.
فقد يكون من الأفضل أن ينظر إلى هذا النوع من الفراغ في بعده النفسي والمعنوي الناجم عن اختلاف المرجعيات والهويات والتصورات والآمال والطموحات والإرادات، والنظرة العامة إلى طبيعة الحياة. إنها حالة أقل من اختلاف بصمات الأيدي من دون شك، لكنها موجودة بدرجة تكفي للوقوف على هذا التفاوت الظاهر الذي منه تطل الفراغات التي تقوم بين الناس، وهي في كل الأحوال قد تأخذ أربعة أشكال: أولاً؛ فراغات طيعة مطلوبة بفعل التنوع البشري، تقود إلى التماسك حين يجد كل منا أنه لا بد أن ينجذب إلى الآخر ليعرفه أو يفهمه أو يسأله أو يندهش منه، أو ينتفع به. فلو أننا ملتصقون تماماً لمات ما بيننا من فراغات تستدعي التساؤل أو التأمل والتفكير في أحوالنا، وكذلك في الاستفادة من بعضنا البعض.
ثانياً؛ فراغات مصطنعة تولد في أيام الأزمات والشدائد العابرة التي تمر بها الأمم، تخلق هلعاً عند البعض من أن تتصاعد، فيتسع الخرق على الراتق. لكن المجتمع يمتلك قدرة ذاتية على تحقيق الالتئام والترميم، وتجاوز الأزمة. ومثل هذه الأزمات التي تحدث اهتزازاً دون صدع لا يخلو منها أي مجتمع بل قد تكون مطلوبة أحياناً لاختبار حيوية المجتمع، وقدرة السلطة القائمة على إدارة الأزمة، ما يصنع خبرة يمكن أن تهتدي بها أي سلطة قادمة، وهذا أمر محمود.
ثالثاً؛ فراغ متدرج، بعضه طبيعي وجزء منه مصطنع، ويتمثل في الطبقات الاجتماعية القائمة بأشكالها التي أنتجتها الأوضاع الاقتصادية والتصورات الاجتماعية والحمولات التاريخية والعقائد الدينية وغيرها.
رابعاً: الشرخ الاجتماعي، وهو فراغ ممقوت، لأنه قد لا يرجى التئامه، أو في وقت قريب، وبالتالي تحدث انقسامات هائلة في المجتمع قد تقود إلى الانعزال أو الانفصال التام، الذي نحتاج إلى جهد مضن في سبيل الخروج منه. وقد لا تفلح الأنظمة الاجتماعية والسياسية القائمة في التغلب عليه. وهذا النوع من الفراغ مهلك لا محالة، فعلى إثره انقسمت دول، وتناحرت مجتمعات، وسقطت في أتون الحرب الأهلية، وسكنت أهلها الحيرة والتساؤل المفجع: متى نخرج من هذا الجحيم؟
هذا يعني أن الفراغ الاجتماعي ليس كله سيئ، فمنه ما هو طبيعي وحقيقي، ولا يمكن تفاديه، لأنه يعبر في جانب كبير منه عن طبيعة الحياة ذاتها. ومنه ما يمكن التغلب عليه حين تعي الجماعة الوطنية قيمة التماسك الاجتماعي، والتنوع البشري الخلاق، والتسامح والحوار. وهناك الفراغ الخطير الذي تسعى الأمم، أو على الأقل العقلاء من بين أهلها، إلى تفاديه تماماً، وتدعو الله ألا يأتي أبداً.
*روائي ومفكر سياسي ـ مصر


 

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟