الحكومة التي تشكلت في لبنان، بعد مخاض عسير استمر تسعة أشهر، بسبب خلافات مستحكمة بين الكتل السياسية حول اقتسام الحصص، رفعت شعار «إلى العمل»، لتنفيذ إصلاحات مؤتمر «سيدر» واستعادة الثقة. وإذا كانت قد نالت ثقة أكثرية نيابية كبيرة بعد حصول الكتل على حصصها، فهي بحاجة ماسة لاستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين العرب والأجانب، والمجتمع الدولي، لإنقاذ الاقتصاد المهدد بالانهيار، في ظل تغير المناخ الإقليمي والدولي الذي أضعف التدفقات المالية وأدى إلى زيادة «هشاشة» المنظومة الاقتصادية، الأمر الذي اضطر الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر وربطها بشكل وثيق بالتقلبات السياسية والجيوسياسية في المنطقة، بشكل تؤثر فيه مباشرة على قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات.
لا شك في أن «الثقة»، تشكل العنصر الأساسي في اللعبة الاقتصادية، وهي ترتكز على عوامل عدة، منها: الاستقرار السياسي والأمني، تداول السلطات، قضاء مستقل وقادر على الإسراع في إصدار الأحكام، قوانين عصرية، موازنة سنوية نافذة وخطط اقتصادية، ومكافحة الفساد ووقف الهدر المالي. ومن المؤسف له، أن أي تقييم لهذه العوامل في لبنان يؤدي إلى الاستنتاج بأن ثقة اللاعبين الاقتصاديين، أي المستهلك والمستثمر، هي في أدنى مستوياتها.
مع اعتراف الحكومة في بيانها الوزاري بوجود مبالغ تقدر بـ 3,3 مليار دولار، لمشاريع تنتظر التنفيذ، تضاف إلى مبلغ 17 مليار دولار قيمة برنامج الإنفاق الاستثماري كما جاء في مؤتمر«سيدر»، يكون المجموع أكثر من 20 مليار دولار، منها 11,5 مليار دولار من الجهات المانحة العربية والدولية، مقابل 5 مليارات من القطاع الخاص المحلي والخارجي ضمن آلية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، على أن يتم استثمارها خلال 8 سنوات، بعد إقرار المشاريع والأولويات في مجلس الوزراء.
الحكومة السابقة، رفعت شعار «استعادة الثقة»، لكنها لم تنجح في تحقيقه، لأنه يتطلب إصلاحات وصفها رئيس الحكومة سعد الحريري بأنها «مؤلمة». وبما أنه يجب السعي الحثيث لتوفير الاستقرار، والعمل الدؤوب والتضحية لتنفيذها، أطلق على حكومته الحالية شعار «إلى العمل»، لتحقيق هدف «استعادة الثقة» والنهوض بلبنان، انطلاقاً من أنها، تملك القرار الاقتصادي الذي ستكون له تداعيات إيجابية، ولكن لابد من القلق والخوف من تداعيات الخلاف السياسي الذي يعتبر الخطر الأكبر على عمل الحكومة، خصوصاً أن برنامجها زاخر بالتحديات، ولعل أهمها تحديات «الخصخصة»، فهي تلتزم تكبير حجم الاقتصاد بتشجيع الاستثمار في القطاع الخاص عن طريق تنفيذ «قانون الشراكة»، وحددت البدء بقطاعي الاتصالات والكهرباء لجهة فتحهما أمام المستثمرين. وتواجه هذه الخطوة، معارضة شديدة من قبل فريق من الوزراء والنواب والنقابات العمالية، وبعض الأحزاب، حتى إن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط حذر الحكومة من أن تبيع مرافق الدولة لما وصفه ب «الرأسمالية المتوحشة»، في وقت يعاني فيه اللبنانيون من خلل كبير في توزيع ثروات البلد، إذ تبين من دراسة لمصرف كريدي سويس أن 8000 شخص فقط من مجموع نحو خمسة ملايين لبناني، يملكون نصف ثروات لبنان، وبما أن الشركات هي التي تتمتع بالقدرة المالية الأكبر، لذلك تنحاز اللعبة الاقتصادية لصالحها.
ولئن كان الاقتصاد اللبناني يحتاج إلى بيئة مستقرة سياسياً وأمنياً لتحقيق معدلات نمو قوي، فإن تنفيذ «الخصخصة» يحتاج بدوره إلى مناخ توافقي داخلي، واستثماري خارجي، لجذب المستثمرين وتحفيز النمو وتحسين التقديمات الاجتماعية وتخفيض كلفة الخدمات، وذلك في سياق إنجاز إجراءات مالية وإصلاحات اقتصادية وسياسية ضرورية، لإنشاء مجتمع حديث ومنتج، يسهم في إنماء حقيقي ومستدام يساعد على النهوض بلبنان.