صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

في الإمارات..التسامح بالانفتاح

إن فيلسوفاً إيطالياً قال: إذا أغلقت باب دارك عن رياح الانفتاح العاتية، فلا تغلق النافذة. في السياسة أخرج بيل كلينتون أميركا من عزلتها، بعد أن عانت منها لسنوات كادت أن تذهب بعظمتها سدى. والصين كما ذكر مستشار رئيسها في إحدى محاضراته أرجع الفضل لتبوئها المرتبة الثانية في الاقتصاد العالم للانفتاح. في الإمارات كان الانفتاح على الآخر نهجاً راسخاً وثروة التنوع جزءاً من النسيج الاجتماعي في مرحلة ما قبل الدولة الاتحادية وما بعدها. عندما أعلنت الإمارات عام 2019 عاماً للتسامح، فإن دعامتها الأساسية تكمن في انفتاحها على العالم بعوالمها البشرية رغم كل اختلافاتهم الطبيعية.
فوجود أكثر من 200 جنسية في عمق النسيج الاجتماعي للدولة ليس أمراً طارئاً كما يظن البعض، فقبل أكثر من خمسة آلاف عام كان ذات النسيج منسوجاً في عروق المجتمع، ولو بأعداد أقل، إلا أن التنوع كان ميزة تفاضلية وتكاملية في تشكيل النواة الأولى للدولة، خاصة أنها كانت جسراً بين مختلف قارات العالم آنذاك، والآن أعظم.
فالإمارات منذ اليوم الأول لتأسيسها أبت أن تبني أسواراً أو حواجز حول نفسها، سواء كانت دينية أو حزبية أو فكرية أو حتى سياسية، كما فعلت الدول التي تبنت النهج الشيوعي الصارخ. فمن حسن حظ الإمارات أنها لم تنحاز لتيار دون آخر حتى لا تكون سياساتها الخارجية مرهونة لتيار قد لا يكون لصالح خطها الوطني. من هنا اختارت الإمارات خيار التنمية المستدامة في مشاريعها الآنية والمستقبلة، ولها مبادراتها التي تحدث فوارق مرئية وملموسة على المستويات كافة، المحلية على وجه الخصوص لأنها شأن الذات، والإقليمية لأنها جزء من البرِّ بالشقيق والجار من الجهات الأربع والدولية لأننا آثرنا العالمية في تطلعاتنا المستقبلية، ولدينا خطط تمتد قرناً آخر من عمر الزمان حتى عام 2071. بالأمس القريب كانت الإمارات في قلب العالم لوجود البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، ضيفاً كريماً على الدولة، بعد تقبله دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أثناء زيارته للفاتيكان عام 2017، وقد لبى البابا تلك الدعوة في الثالث من فبراير 2019.
في الوقت ذاته رأينا من يُفترض أن يكون بمثابة الشقيق الفرِح، يُبدي امتعاضه وحسده ويُسخِّر آلته الإعلامية في الطعن والقدح ومحاكمة النوايا، وإظهار السوء بدل الحبور باستقبال هذا الحبر الأعظم، من أجل كسب قلوب أكثر من نصف البشرية يدينون بالمسيحية في مختلف قارات العالم. في الوقت ذاته يهرول النظام القطري لمقابلة البابا من أجل التدخل لحل أزمته مع دول المقاطعة، في خطوة مستهجنة. قطر للأسف لا تقرأ التاريخ إلا بمنظار ضيق وأفق أكثر ضيقاً، فعلاقة الإمارات بالفاتيكان ليست وليدة اللحظة، وإنْ كانت هذه اللحظة الراهنة فارقة، لقد سافر زايد، رحمه الله، مؤسس دولة التسامح إلى الفاتيكان في منتصف القرن الماضي، ليؤسس جسر التواصل مع إخواننا المسيحيين، ويجسِر الفجوات، ويقرب المسافات بين الأديان التي تلتقي كلها مع الإسلام السمح في منتصف الطريق.
فعندما دعا صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد البابا فرنسيس إلى الدولة بذل جهداً متواصلاً وممتداً لذلك الإرث الإنساني، من أجل بناء وشيجة أخوية تتخطى كل عقبات التطرف والإرهاب والعنف والإقصاء المتعمد لدى البعض، الذي لا يوجد للغبطة مكاناً في قلبه، غير الحسد والحقد ونشر الضغينة، عبر وسائل الإعلام الإلكتروني والتقليدي.
ولكن الإمارات لم تستغل فرصة وجود البابا على أرضها لترفع الشكاوى من «الشقيق» المتربص بها، بل قامت بنقل قداس السلام عبر مختلف وسائل الإعلام العالمية والإقليمية والمحلية إلى أكثر من ثلاث مليارات من المسيحيين ومليار ونصف المليار من المسلمين، وقرابة نصف مليار آخر من العرب، هذه الأعداد من البشر هي التي تشهد على حرص الإمارات على سبل السلام، فلِمَ يستكثر البعض جائزة نوبل للسلام على صُنّاع السلام: صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، والإمام الأكبر شيخ الأزهر، وبابا الكنيسة الكاثوليكية؟!

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟