صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

«التقويم».. عِلمٌ عراقيُّ المولِد

كُلّما نسيتَ العراق أو أجبرك على نسيانه، جاءت الأحداث لتعيده بقوة أكبر كصفعة، أو «كفخة» على الرأس، حسب التعبير العراقي. فاحتفال الصين، الأسبوع الماضي، بعامها الجديد 4717، يصادف العام 2758 في التقويم البابلي في العراق القديم، حيث ولد علم التقويم. تفاصيل ذلك في كتاب «التقويم» الصادر بالإنجليزية، والذي يذكر أن الشهر في التقويم القمري، الذي ورثه البابليون عن السومريين، يتكون من 30 يوماً، والسنة 360 يوماً، وأنهم استقوا ذلك من ضرب رقمي 6 و60، والحاصل 360، وهو الرقم المستخدم حتى اليوم في تقسيم السماء وكل سطح دائري. ولا يُعرفُ، حسب كتاب «التقويم» The Calendar لماذا اختار علماء «سومر» هذه الأرقام، التي ما تزال حتى اليوم القاعدة العددية لكل شيء، من تحديد موقع الشخص في البحر وحتى المسافة بين كوكبنا الأرضي والمجرات. وطوّر البابليون ميراث الأعداد السومرية في تقسيم اليوم إلى 24 ساعة، والرقم قابل للقسمة على 6 والمضاعفة دون باق إلى 360 يوماً. ويُدهشُ الرقمُ 24 مؤلفَ الكتاب «ديفيد دنكان» ولا يجد تفسيراً له سوى ولع العراقيين القدماء بالأبراج وقراءة الحظ. ويُحتملُ أنهم قسموا كلاً من النهار والليل إلى 12 ساعة، ليوافق ذلك علامات دائرة الأبراج، ثم جمعوهما للحصول على عدد ساعات اليوم 24.
ويكشف كتاب «التقويم» عن أن الأرقام، التي تُسمى عربية، المستخدمة اليوم في جميع أنحاء العالم، هي عربية حقاً، وليست هندية، كما يُعتقدُ، ويتابع انطلاقَ ملحمة الوقت من بلاد ما بين النهرين قبل ستة آلاف عام، ودورتها حول الهند واليونان وعودتها من جديد إلى المنطقة العربية في عصر النهضة الإسلامية. يذكر ذلك فصل في الكتاب عنوانه «من بيت الحكمة إلى أوروبا الجاهلة»، يعرض تفاصيلَ الثورة التي أحدثها في علم التقويم علماء الفلك والرياضيات، الخوارزمي والإقليدي والبتاني والبيروني، وكيف انطلقت الثورة من جديد، عبر سوريا وإسبانيا إلى أوروبا، حيث ساهمت في تأسيس علوم عصر النهضة الأوروبية.
واليوم يستخدم الصينيون والعرب ومعظم سكان العالم التقويم الميلادي، الذي يؤرخ لميلاد السيد المسيح في المنطقة العربية. ولعب العلماءُ العرب دوراً أساسياً في إصلاحه. ويستعيد كتاب «التقويم» وثيقة الإصلاح التاريخية للتقويم الميلادي، والتي وضعها بالعربية «أغناطيوس»، وهو عالم سوري بالرياضيات والطب شغل كرسي بطريرك «أنطاكيا»، ثُم ترجمت الوثيقة إلى اللاتينية. ويظهر «أغناطيوس» في لوحة زيتية تاريخية يشرح تفاصيل وثيقة الإصلاح لرئيس الكنيسة الكاثوليكة آنذاك البابا «غريغوري» الذي يحمل اسمَه التقويمُ الميلادي الحالي، وساهم في التوقيع على وثيقة الإصلاح ثمانية علماء فلك ورياضيات وجغرافيا ورسامين، وشخص من «مالطا» اسمه «ليوناردو أبيل» يتقن العربية بما يكفي للمصادقة على توقيع «أغناطيوس»!
ويحتاج قياس الوقت إلى ظاهرة طبيعية تتكرر بانتظام، وأول معيار استخدمه البشر لقياس الوقت تعاقب الليل والنهار وتوالي الفصول. ويستخدم علم التقويم الحديث دورة الذرات في قياس الوقت. فالذرات التي تتكون منها كل المواد في الطبيعة تنبض بانتظام دقيق خلال امتصاصها وإطلاقها للطاقة. و«الدعوة إلى تقويم جديد يبدأ مع نهاية العصر الجليدي» عنوان تقرير كتبته عام 1999 عن «الساعة الذرية» التي تعتمد نبض معدن «السيزيوم» النادر. ولم يتوقف حتى اليوم السباق العالمي في تطوير ساعات ذرية تُستخدمُ في شتى الأغراض، من تنظيم ترددات الفضائيات العالمية، وحتى أنظمة الأقمار الاصطناعية للملاحة، مثل «النظام العالمي للمواقع» GPS. وعام جديد سعيد «شاغ هول زاك موك» باللغة السومرية، و«شينيانغ كوايلو» بالصينية، ويمكن العثور على كتابتهما الرشيقة بالحروف السومرية والصينية، المتشابهة بشكل فريد، عن طريق «غوغل» الذي يستخدم النظام العالمي لتحديد المواقع.

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟