عندما أعلن ترامب فجأة أنه سيقوم بإخراج القوات الأميركية من سوريا، وسحبها من أفغانستان، قدم وزير الدفاع جيم ماتيس استقالته، وعانت مؤسسة السياسة الخارجية الارتباك. وفي الحال، تجمع العديد من «الديمقراطيين» البارزين. فقالت كلينتون على «تويتر»: «الانعزالية هي الضعف. وتمكين داعش أمر خطير. والانصياع لروسيا وإيران حماقة. إن هذا الرئيس يضع أمننا القومي في خطر كبير». ووصفت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي (ديمقراطية) هذا الإعلان بأنه «هدية عيد الميلاد للرئيس الروسي فلاديمير بوتين».
وكان رد فعل الناخبين «الديمقراطيين» يشبه رد فعل قادتهم. وكما ذكر «جلين جرينوالد» لصحيفة «ذي انترسيبت» الرقمية، فإن تصرف ترامب قلب الآراء رأساً على عقب. وتحولت أغلبية من «الديمقراطيين» من التشكك في التدخل إلى تفضيل الإبقاء على القوات في سوريا. أما الغالبية العظمى من «الجمهوريين»، فقد فعلت عكس ذلك تماماً، لتتحول من تأييد التدخل إلى تأييد الانسحاب.
ولم تكن هذه حالة وحيدة من الاستقطاب. فـ«الديمقراطيون» - أمثال رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب «آدم شيف»- كانوا متشددين بشأن التهديد المفترض للديمقراطية والذي يشكله التدخل الروسي المزعوم في انتخاباتنا، وأكثر حدة في المطالبة بفرض عقوبات أشد قسوة ضد روسيا. وانتقد رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب «إليوت إنجل» (ديمقراطي) القمة «المتهورة» التي عقدها ترامب مع زعيم كوريا الشمالية «كيم جونج اون»، محذراً من تخفيف العقوبات أو تقديم أي تنازلات سابقة لأوانها.
لقد أصبح انتقاد اليمين لترامب عنصراً رئيسياً في وسائل الإعلام الليبرالية، أيضاً. فقد استخدم «الصقور» من المحافظين الجدد -الذين فقدوا مصداقيتهم بسبب دعمهم لكارثة غزو العراق- معارضة ترامب لإنعاش حياتهم المهنية، وأصبحوا يظهرون بشكل منتظم في كبرى المنصات الإعلامية الليبرالية مثل شبكة «إم إس إن بي سي» التي تستمتع بهجومهم على ترامب.
ولم يستسلم جميع «الديمقراطيين» لمتلازمة فوضى ترامب. فقد نظم «خانا» جهوداً فعالة لإنهاء «التواطؤ» الأميركي في جرائم الحرب وكارثة حقوق الإنسان! ويضع السيناتور «بيرني ساندرز»، الذي يفكر في خوض السباق الرئاسي لعام 2020، والسيناتورة «إليزابيث وارين»، التي انضمت بالفعل للسباق، عناصر سياسة خارجية تتحدى تغيير النظام والحروب بلا نهاية، وتؤيد خفض الموازنة العسكرية وتعارض تصعيد سباق التسلح مع روسيا.
والمفارقة أن ترامب خلال العام الأول له في منصبه، قام بزيادة مستويات القوات في أفغانستان وسوريا، وتصعيد التدخلات في أفريقيا والشرق الأوسط. كما قام برفع الموازنة العسكرية المتضخمة بالفعل. وبالرغم من مزاعم بـ«التواطؤ» مع روسيا في حملة 2016، إلا أنه وقّع على عقوبات أكثر صرامة، وزاد سباق التسلح وصعّد التدريبات في البحر والبر ومباشرة بطول الحدود الروسية. كما قام بنقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس وظل ثابتاً في دعم الحكومة اليمينية في إسرائيل. كما انسحب من الاتفاق النووي الإيراني ومن اتفاقية باريس للمناخ. وبالرغم من خطابه، فقد حافظ ترامب على معظم سياسات المؤسسة وتحالفاتها وتدخلها. ولكن لا يمكن لـ«الديمقراطيين» السماح للغضب المشروع تجاه رئاسة ترامب بإرباكهم بشأن التحديات المستقبلية على المستوى الدولي. فالولايات المتحدة غارقة في حروب بلا نهاية وبدون انتصار. فقد فشل «النظام العالمي الليبرالي»، الذي حظي بثناء مجتمع السياسة الخارجية، في التصدي للتهديد الحقيقي والحالي والمتنامي الذي يمثله التغير المناخي الكارثي. وما نحتاج إليه هو صياغة واضحة لاستراتيجية جديدة للواقعية التقدمية، والتي من شأنها أن تركز على التهديدات الناشئة لأمننا وديمقراطيتنا وتزايد عدم المساواة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»