صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

البرازيل والمكسيك.. والشراكة العالمية

يشتهر زعماء أميركا اللاتينية بالبراعة في وصف تجاوزات أقرانهم. ولا عجب أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يغضب مجموعة من السادة المتحفظين.
لذلك لم يظهر سوى ثلاثة رؤساء إقليميين فقط في كاراكاس بمناسبة تنصيب مادورو يوم الخميس الماضي. وقطعت باراجواي علاقاتها الدبلوماسية مع فنزويلا. أما بيرو فقد وضعت مادورو على قائمة الأشخاص غير المرغوب فيهم. واتفقت 19 دولة من أعضاء منظمة الدول الأميركية على عدم الاعتراف بولاية مادورو الجديدة بسبب «عدم اكتراث حكومته بالوفاء بالمعايير الأساسية الخاصة بالدول الأميركية فيما يتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية». فهل هذا يسجل نقطة لصالح الدبلوماسية في هذه البقعة من العالم وقوة النظام الليبرالي الدولي؟ ليس تماماً بعد. إن تجنب مادورو الذي تركت سوء إدارته الكارثية وإجراءاته القمعية، الديمقراطية الانتخابية وسيادة القانون والاقتصاد الغني بالنفط، في حالة من الفوضى، لهو أمر مهم. ومن الممكن أن يكون رئيس نيكاراجوا الاستبدادي «دانييل أورتيجا» هو الهدف التالي للتوبيخ من قبل منظمة الدول الأميركية. ومع ذلك، فإن حث الأميركيين على التعاون من خلال المؤسسات عبر الحدود والالتزام بالاتفاقيات الدولية، يبدو أنه سيشكل تحدياً أكبر في السنوات القادمة.
ومن المؤكد أن الحوكمة العالمية والتعددية قد تراجعت بشكل أكبر، ويعود السبب في ذلك إلى حد كبير إلى إمعان الفكر أحادي الجانب للرئيس الأميركي دونالد ترامب. بيد أن المخاطر كبيرة في أميركا اللاتينية، حيث أدى سوء الأداء الاقتصادي المزمن والأنانية الدبلوماسية المفاجئة إلى تقليص الطابع الدولي المميز للمنطقة في الوقت الذي تشتد الحاجة إليه. يقول «مايكل شيفتر»، رئيس مركز الحوار بين البلدان الأميركية «إننا في مرحلة متدنية بالنسبة لتكامل أميركا اللاتينية. لقد أصبحت المنطقة مقسمة أكثر من أي وقت مضى. ليس لأن الدول تتحول إلى اليمين أو اليسار، بل لأنها فقط تمضي في المسار الخطأ. والمشكلة أن أميركا اللاتينية تضعف مع ضعف التعددية».
ولننظر إلى أكبر قوتين اقتصاديتين، البرازيل والمكسيك. لقد خفف الرئيس «أندريس مانويل لوبيز أوبرادور» من حدة خطاب حملته القومية، ووافق على إعادة التفاوض بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية بدلا من إلغائها. ومع ذلك، فهو ليس مؤيداً لسياسة التعاون الدولي. وفي تحول مفاجئ، تخلت المكسيك عن جيرانها وامتنعت عن تأييد قرار منظمة الدول الأميركية بشأن فنزويلا، ما جعل أوبرادور هو «العنصر التمكيني» لمادورو.
إن لوبيز أوبرادور لا يشترك مع مادورو فحسب في الاتجاهات، بل «هناك تواطؤ مألوف. والفكرة هي: سأتغاضى عن تجاوزاتك في حقوق الإنسان، وأتوقع منك أن تفعل نفس الشيء»، بحسب ما قال الدبلوماسي المكسيكي السابق «خورخي جيواجاردو».
إن تحول المكسيك إلى الداخل هو عودة إلى حقبة أخرى عندما كانت الحكومات الوطنية تهتم بشؤونها الخاصة وتتوقع من الآخرين أن يردوا الجميل. في كثير من الأحيان، كان الأقوياء والمستبدون في المنطقة يستشهدون بعقيدة مماثلة لإضفاء بريق قانوني على أي قرار رسمي. ودعونا ننظر إلى جواتيمالا، حيث أعلن الرئيس «جيمي موراليس» أن بلاده ستنسحب من لجنة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بدلا من الاستمرار في استضافة لجنة المحققين التابعة لها.
كما أن عزوف الرئيس البرازيلي «يائير بولسونارو» عن الشؤون العالمية أكثر وضوحاً أيديولوجياً. ففي الأيام الأولى له في المنصب، ألغى خططه لاستضافة البرازيل مؤتمرَ الأمم المتحدة حول التغير المناخي لعام 2019، وقلص السلطة البيئية لوزارة الخارجية، ما يعني أنه لن يكون للبرازيل أي علاقة بـ«العولمة»!
لذا، حتى مع تدفق اللاجئين الفنزويليين إلى شمال البرازيل، أعلنت الحكومة انسحابها من ميثاق الأمم المتحدة للهجرة، والذي يضم في عضويته 160 دولة. ومن هذا المنطلق، بدا توبيخ البرازيل الجدير بالثناء لفنزويلا في منظمة الدول الأميركية، مثل تصويت للتضامن الإقليمي أقل من كونه تجاهلا للرئيس دونالد ترامب الذي يشيد «بولسونارو» بشعاره «أميركا أولا» ويرغب في تكراره. وكيف نفسر أنه حتى مع انسحابه من ميثاق الأمم المتحدة للهجرة، زاعماً أنه يحمي السيادة الوطنية، اقترح استضافة قاعدة عسكرية أميركية!
ورغم كل الازدراء الحالي، كانت البرازيل والمكسيك وجيرانهما مستفيدين وأحياناً أبطالا للمؤسسات متعددة الأطراف. فقد ساهم الدبلوماسيون والقانونيون من أميركا اللاتينية في إنشاء الأمم المتحدة، وأثّروا على النظام النقدي العالمي «بريتون وودز»، وساعدوا في تطوير حقوق الإنسان بعد سقوط الديكتاتوريات العسكرية في بلدانهم.
إن البرازيليين يرأسون منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ومنظمة التجارة العالمية. كما كانت دول أميركا اللاتينية من أكثر المشاركين نشاطا في عمليات حفظ ملفات النزاعات في منظمة التجارة العالمية في الفترة بين عامي 1995 و2017، بقيادة البرازيل والمكسيك والأرجنتين. وتعتبر البرازيل واحدة من أنجح مستخدمي آلية التسوية في منظمة التجارة العالمية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟