صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

الشعبوية الأوروبية.. هدم ولا بناء

من الناحية النظرية، تعتبر انتخابات برلمان الاتحاد الأوروبي الأكثر صبغة دولية بين باقي الانتخابات في العالم. والفائزون في هذه الانتخابات يعملون في هيئات تشريعية في عدد من الدول، ويتحدثون مع بعضهم البعض بمساعدة مئات المترجمين، وهم أعضاء أحزاب تتجاوز الدول. وفي مباني البرلمان في بروكسل وستراسبورج يجلس أعضاء البرلمان الأوروبي من «يسار الوسط» من أنحاء أوروبا مع أعضاء حزب الاشتراكيين الأوروبيين، وأعضاء البرلمان الأوروبي من «يمين الوسط» يجلسون مع أعضاء «حزب الشعب» الأوروبي وهكذا.
ورغم هذا لم ينطبق تعدد القوميات قط على الانتخابات الأوروبية. وعادة ما تتألف هذه الانتخابات من عشرات الحملات كل واحدة منها يهيمن عليها السجال القومي. وفي معظم السنوات لا يخوض الحزب «الديمقراطي المسيحي» الألماني السباق من أجل نظيره السويدي والمساهمة البرتغالية في الانتخابات السلوفاكية يمكن الاستغناء عنها إلى حد كبير. لكن هذا العام مختلف. فالانتخابات الأوروبية المقرر عقدها في نهاية مايو المقبل ذات أهمية وأفكار تمتدان عبر القارة. ومن المثير للسخرية، أو ربما من العبثي، أن المعارضين للوحدة الأوروبية هذا العام، وهم السياسيون الذين يريدون الإطاحة بالمؤسسات كلية، يقومون بمحاولة علنية للعمل سوياً عبر الدول لتحقيق أهداف مشتركة.
ورغم غرابة ظاهرة القوميين الدوليين أو ما يمكن أن يُطلق عليهم «الدوليون الشعبويون»، فإنها ليست جديدة. والنشطاء ومثيرو الشغب على الإنترنت من أقصى اليمين واليمين المتطرف لطالما تعاونوا في الفضاء الرقمي. فقبل الانتخابات الألمانية العام الماضي، كنت جزءاً من فريق بحث توصل إلى أن اليمين المتطرف الدولي نشر قصصاً حاكتها وسائل الإعلام الروسية الخاضعة للدولة وأعاد نشر تغريدات تحمل أفكاراً عنصرية دعماً لـ«حزب البديل من أجل ألمانيا» المعادي للاتحاد الأوروبي. ووجدنا بؤرة مشابهة من النشطاء على الإنترنت من الروس والأميركيين والألمان والفرنسيين وحتى البولنديين، يعملون سوياً لإفساد النظام السياسي السويدي أثناء الانتخابات.
والآن انتقل بعض من هذا التنسيق الراسخ شبه المستتر على الإنترنت إلى خارج الإنترنت علناً. ففي الأسبوع الماضي، انتقل «ماتيو سالفيني» نائب رئيس الوزراء الإيطالي القومي المعادي للأجانب إلى وارسو ليجتمع مع زعماء حزب القانون والعدل البولندي القومي الحاكم المعادي للأجانب. وأعلن «سالفيني» تدشين «المحور البولندي الإيطالي» واحتفى بالاجتماع فيكتور أوربان الزعيم المجري الشهير برفضه لمهاجرين عددهم قليل للغاية في المجر في وقت يتعرض فيه لضغوط بشأن إساءة استخدام السلطة. وعقد «سالفيني» أيضاً مؤتمرات صحفية مع مارين لوبان الزعيمة الفرنسية اليمينية المتطرفة، وأيضاً مع «هاينز كريستيان شتراخه» نظيره النمساوي. وفي كل اجتماع يعد «سالفيني» بإجراء تغيرات كبيرة وإقامة حزب جديد وحملة ضد الهجرة وضد بروكسل. واجتمع سالفيني مع «ستيفن بانون» أيضاً رغم توقف محاولات «بانون» لخلق حركة أوروبية من اليمين المتطرف. والأنشطة المزمعة لهذه الحركة كانت غير قانونية فيما يبدو في معظم الدول الأوروبية، والأهم من هذا أن برنامجها كان مبهماً إلى حد كبير. وهذا الفشل يشير إلى مشكلة أعمق في اليمين القومي الأوروبي. فبوسع هذا التيار أن يتفق على أنه ضد أمور مثل الهجرة، لكن ما الذي يدافع عنه؟ الهدم سهل أما البناء فصعب. والأهم من هذا أن عدد المهاجرين ينخفض بالفعل والاتفاق بين الشعبويين ليس كاملاً. فالقوميون الإيطاليون والنمساويون بينهم خلاف في مقاطعة بولسانو أو تيرول الجنوبية الإيطالية التي تتحدث جزئياً الألمانية. والقوميون الفرنسيون يريدون الأوروبيين الشرقيين أن يعودوا إلى ديارهم. ومعظم اليمين المتطرف في أوروبا من لوبان إلى سالفيني وأوربان يؤيدون روسيا بحماس، لكن نظراءهم البولنديين لا يؤيدون الروس مع استثناءات قليلة العدد بشكل ملحوظ. فالانتخابات الأوروبية تلك ستكون الأكثر إثارة للتشويق.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟