صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

الدولة في الفكر الإسلامي

تتحير جماعات الإسلام السياسي في إبراز تميزها. فهي تلجأ تارةً للتأصيل، وتارةً أُخرى للانتقاء من التراث، وطوراً إلى الزعم بأنها أضافت مجالاتٍ في الإسلام وضمن شروطه مما لم يفعله أحدٌ قبلها. وقد سمعتُ مؤخراً بعضهم يزعم أنّ المسلمين القدامى لم يفكروا كثيراً بالدولة وإدارة الشأن العام، وأنهم هم دون غيرهم أنجزوا هذه الإضافات التي اصطنعت نظاماً كاملاً وحاكميةً، ما كانت البحوث حولها من قبل تتجاوزُ العناوين.
والحق أنّ ذلك غير صحيح على الإطلاق. فقد تتبعتُ هذه المقولة بالنقد منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وتبين لي أنّ مختلف الفئات في الأزمنة الكلاسيكية للإسلام فكرت بالدولة وإدارة الشأن العام. وقد بلغ من جدية هذا الاهتمام أو هذا التفكير أنه تحول منذ القرن الثالث الهجري إلى مدارس، وقد قسمتُها بناءً على اختلاف الإشكالية التي عالج فيها هذا الطرف أو ذاك المسألة السياسية.
كانت المدرسة الأولى في التفكير بالدولة والسلطان السياسي هي مدرسة الآداب السلطانية أو مرايا الأُمراء، ويفضّل البعض تسميتها «مدرسة نصائح الملوك». واهتمام هذه المدرسة هو نصيحة أولي الأمر وإرشادهم إلى كيفية الحفاظ على السلطة، إن من حيث الشكل أو من حيث مضامين السياسات. وبالطبع فإنّ لذلك في نظرهم ثلاث قواعد: تقسيم الناس إلى فئات أو طبقات، ومعاملة كل طبقة بما يلائم طبعها ومصالحها من سياسات السلطان. والقاعدة الثانية هي العدل القضائي والسياسي. والثالثة مجاملة الدول الخارجية المجاورة والبعيدة، بحيث لا يضطر السلطان لدفع تكلفة الحرب وما فيها من مخاطر. وللنصائح أو الآداب ثلاث صيغ: صيغة الرسالة أوالعهد من الفيلسوف إلى الملك مثل (رسائل أرسطو للإسكندر)، ونموذج العهود (العهود اليونانية، وعهد أردشير، وحتى عهد علي بن أبي طالب إلى الأشتر على مصر). وصيغة الحكمة على ألسنة الحيوانات (مثل كليلة ودمنة، وثعلة وعفرة، وتداعي الحيوانات على الإنسان). وصيغة الكتاب ذي الفصول التي تحمل عناوين مثل: التدبير، الوفاء بالعهد، الصدق، استشارة الوزراء، الرأي والمشاورة، والجُود، وحسن التصرف بالأموال والأعمال.. إلخ. وقد ترك الكتّاب في هذا الجنس الأدبي مئات المؤلّفات عبر التاريخ وإلى مشارف العصر الحديث.
والمدرسة الثانية في التفكير السياسي أو التفكير حول الدولة هي مدرسة الفقهاء، والذين يُسمُّون كتبهم الأحكام السلطانية أو السياسة الشرعية. وإشكاليتهم هي الشرعية أو كيف يمكن إنشاء نظام سياسي شرعي. وللشرعية شروط مثل: الشورى والبيعة والكفاية والشوكة والعدل. وبالطبع فإنّ الشرط الرئيس هو الاختيار من جانب أهل الشورى. والكتابات في هذا الجنس أقل عدداً، لكنها كانت أكثر تأثيراً، وإن لم يجر اتباع كل شروطها. فقد اشتهر على سبيل المثال كتاب الماوردي في «الأحكام السلطانية»، ورسالة ابن تيمية «السياسة الشرعية».
أما المدرسة الثالثة، فهي مدرسة الفلاسفة مثل آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي، والفصول السياسية لابن سينا في الإمامة، وشرح ابن رشد لجمهورية أفلاطون. هذا بالإضافة إلى الكتب في تهذيب الأخلاق لمتفلسفة القرنين الرابع والخامس. وإشكالية هؤلاء هي تحقيق السعادة للرعية. والفكرة مأخوذة عن سياسيات أفلاطون وأرسطو. بيد أنّ المؤلفين في الزمن الإسلامي لاءموها مع الظروف وإن ظلت أصولها واضحة. ولا نعرف إنْ كان هؤلاء كتبوا في السياسة قاصدين أو أنّ الأمر كان على نهج الفلاسفة أيضاً. إذ أنّ كل فيلسوف كان يُنشئ نظاماً فلسفياً مكوَّناً من كتاب في الطبيعة، وآخر فيما وراء الطبيعة، ثم كتاب في الأخلاق، وآخير في السياسة أو الحكمة العملية، مع مقدمة في المنطق للنظام كله.
والمدرسة الرابعة هي مدرسة المتكلمين (علماء أصول الدين)، وكان الشيعة من بينهم يعتبرون الإمامة من أصول الدين، أما الآخرون فكانوا يعتبرونها مصلحيةً وتدبيرية. ولأنها كذلك فما كان ينبغي ذكرها في كتب أصول الدين. لكنّ المتكلمين من غير الشيعة يفعلون ذلك فيعقدون باباً في الإمامة في آخِر كتبهم للدفاع عن شرعية الراشدين، وللرد على القائلين بأنّ الإمامة من أصول الدين. وعلى أي حالٍ فهذا لونٌ من التفكير العقدي أكثر مما هو تفكيرٌ بالدولة.
وتبقى اهتماماتٌ بالدولة من جانب فئة الكُتّاب الإداريين. وهؤلاء لا يقدّمون غالباً بمقدماتٍ نظرية، بل ينصرفون إلى دراسة مؤسسات الدولة ومهماتها وشروط الكفاية في القيام بهذه المهمات. وذلك إلى جانب الكتب في تاريخ الوزارة والوزراء وتجاربهم وكيف صارت الوزارة مؤسسة باعتبارها القائمة على السلطة التنفيذية.

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟