صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

ألمانيا من ميركل إلى «كارنباور»

لطالما تعرضت المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» لاتهام أنها قتلت السياسة الألمانية بهيمنتها المحكمة. لكن عندما سلمت قيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» يوم الجمعة الماضي، بدا واضحاً أن المنافسة السياسية المثيرة للاهتمام لا تزال حيّة حتى داخل «الاتحاد المسيحي الديمقراطي»، وأن المستشارة الألمانية المقبلة وزعيمة الأمر الواقع في أوروبا ستكون نجمة سياسية.
وهذه النجمة هي «أنجريت كرامب كارنباور»، تلميذة ميركل وخليفتها المختارة، التي ذرفت الدموع من عينيها عندما أنهت المستشارة خطاب الوداع النابع من القلب بعبارة: «لقد كانت رئاسة الحزب تكريماً وشرفاً». بيد أن ذلك لا يعني أن الجدل المحتدم بشأن اتجاه «المحافظين» الألمان، وألمانيا نفسها قد انتهى.
واختار نحو 1000 مندوب، احتشدوا في قاعة «هامبورج» للمؤتمرات والمعارض، «كرامب كارنباور» المعروفة أيضاً بـ«إيه كيه كيه»، وفضلوها بذلك على محامي الشركات «فريدريك ميرز» ووزير الصحة «جينز سبان». وفازت «كرامب كارنباور» بفضل إظهارها المقنع لمعرفتها العميقة بشؤون حزبها والتماسها بلا كلل ولا ملل على مدار أسابيع لتأييد المنظمات المحلية التابعة لحزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي».
وقلما كانت السياسة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية موضع استعراض، خصوصاً في عهد ميركل. وأجريت آخر انتخابات تنافسية في «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» في عام 1971. لكن على رغم من ذلك، استمتع أعضاء الحزب يوم الجمعة الماضي باستعراض نادر. وفي البداية، أدلت ميركل بخطاب وداع، وقد بدا فاتراً، لدرجة أنها سخرت من «نمطيتها، وشخصيتها الجادة والمباشرة». غير أن جوهر الخطاب كان حول فخرها بالحزب المحافظ الذي تولت قيادته في عام 2000، وتغير تغييراً جذرياً، وأضحى أكثر انفتاحاً. والمستشارة، التي جعلت حزبها فائزاً في الانتخابات باستمرار، نالت احتفالاً وترحيباً حماسياً إذا وقف مندوبو الحزب يلوحون بلافتات كتب عليها «شكراً لك» لأكثر من عشر دقائق. وحصلت على هدية وداع تذكارية.
وعندئذ انتهى الجزء المعنوي، وحان الوقت ليحاول المرشحون الثلاثة الفوز بتأييد المندوبين. واستغل كل من «كرامب كارنباور»، التي تحدثت في البداية، و«سبان»، الذي تحدث أخيراً، الأساليب الخطابية: فكانت الكلمة المفتاحية في خطاب المرشحة هو «الجرأة»، وأما «سبان» فكرر عبارة «إنني مهتم» (بشأن ما ستصبح عليه ألمانيا في عام 2040: وفي عمر 38 كان سبان أصغر مرشح للمنصب). وأما الوزير «ميرز» فتخلى عن الأسلوب الخطابي وبدا صادقاً وواقعياً في تصريحاته، إذ أشار إلى أن حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بات يخسر ناخبيه لصالح الشعبويين من اليمين المتطرف التابعين لحزب «البديل من أجل ألمانيا»، ولفت إلى أن الحزب لا يبذل الجهد المطلوب ليميز نفسه عن منافسيه في جناح اليسار من «حزب الخضر» و«الحزب الاشتراكي الديمقراطي».
وعلى الرغم من ذلك، اتفق المرشحون الثلاثة على شيء واحد، وهو أن حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» هو آخر الأحزاب التي تدافع عن الشعب في ظل مظلة وسطية في ألمانيا، وربما في أوروبا بأسرها، لاسيما أن المعتدلين في يسار الوسط ويمين الوسط خسروا الانتخابات في الدول الأوروبية من فرنسا إلى بولندا، ومن ثم أكد قادة «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الألماني على أنه لا يمكنهم السماح بحدوث ذلك لحزبهم.
وقد كان معظم المندوبين على دراية بالفعل بمواقف المرشحين بشأن مختلف القضايا، فالثلاثي قادوا حملات انتخابية منذ بداية نوفمبر في المؤتمرات الإقليمية لـ«الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، وفي برامج تلفزيونية وحوارات صحفية. وقد كانت الاختلافات بين أبرز متنافسين واضحة منذ وقت كاف. و«كرامب كارنباور»، والتي كانت أول امرأة تتولى رئاسة حكومة ولاية «سارلاند» الألمانية، تتميز بحسها الاشتراكي، وأما «ميرز» فهو تحرري يميل بدرجة أكبر لقطاع الأعمال. وورثت «كرامب كارنباور» تركيز ميركل على التسامح، أما «ميرز» فيهتم بسياسة الهوية.
ومثل هذه الفروق وغيرها مهمة من أجل التوجه المستقبلي لـ«الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، وبالطبع لمستقبل المحافظين في ألمانيا. غير أن الجدل الدائر وانتخاب القيادة أكثر أهمية لألمانيا ككل.
وبالطبع، «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» حزب تقليدي وعميق، فـ 6 في المئة فقط من أعضائه من الشباب دون الـ30 عاماً و15 في المئة دون الـ40. وحتى الآن لا يزال «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» أكبر قوة سياسية في ألمانيا، والجدل الداخلي هو عبارة عن تمرين للانتخابات المقبلة، التي من المستبعد إجراؤها قبل 2021 لأن «كرامب كارنباور» لن تحاول إقصاء ميركل من منصب المستشارة، ويحتاج شركاء الحزب في الائتلاف لبعض الوقت من أجل استعادة التأييد الشعبي.
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟