بعدما قرأ أحد القراء مقالي الأسبوع الماضي، حول الصعوبات الجمة أمام النضال عن القضية الفلسطينية في الولايات المتحدة الأميركية، أجرى بحثاً ووجد مقالاً كنت كتبته قبل 30 عاماً، وأرسله لي. ولأن هذا المقال عمره ثلاثة عقود فهو ينطوي على قصة مهمة، وقد أوردت بعض فقراته في هذا المقال. وكان عنوان ذلك المقال المنشور في صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» في 10 يونيو 1988، «اختبار تأييد إسرائيل»، وكتبت فيه:
عندما تم تعيين «روث آن سكاف»، وهي ناشطة من الأميركيين ذوي الأصول العربية وديمقراطية من هيوستن، في «اللجنة الوطنية الديمقراطية» بعد المؤتمر الحزبي في أتلانتا، أفرط كثير من الأميركيين العرب في الفرحة، وقد بدا تعيين «سكاف»، أخيراً، إشارةً إلى رغبة الحزب الديمقراطي في الترحيب بنا كجالية. لكن هذا الشعور سرعان ما تبدد وتحول إلى مرارة بسبب أولئك الذين يجرؤون على تبني آراء مخالفة لآراء أشخاص آخرين في الحزب.
وعلى مدى سنوات، سعى الأميركيون العرب، بلا جدوى، للقاء القيادة العليا في الحزب الديمقراطي، ونيل الاعتراف بهم كمجموعة من الناخبين. ولا تزال جاليتنا تتذكر شعورها بالخيبة عندما ردت حملة رئاسة «والتر مونديل» التبرعات الانتخابية التي قدمها «الأميركيون العرب» عام 1984. لكن في هذا العام (1988)، بعد أن بذلنا جهوداً مضنية مع حملة «جيسي جاكسون»، فزنا بعدد قياسي من المندوبين والأعضاء في اللجنة الدائمة لـ«المؤتمر الوطني الديمقراطي». ونتيجة لهذه الجهود، وبدعم قوي من «جاكسون»، تم تعيين «سكاف» في «اللجنة الوطنية»، ومنذ ذلك الحين اندلعت عاصفة عاتية؛ فبمجرد تعيينها أعلن أحد قادة الحزب الديمقراطي بولاية تكساس عن قلقه وأسفه بشأن تعيين «سكاف» في اللجنة المكونة من 400 عضو.
وكان سبب العاصفة أنه في المؤتمر الوطني للحزب عام 1988، والذي قادته حملة الانتخابات الرئاسية للمرشح «جاكسون»، كنا قد قدمنا عبر منصة المؤتمر تعديلاً على برنامج الحزب يدعو لـ«الاعتراف المتبادل والتوافق حول الأرض وتقرير المصير لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين». وكان ينبغي ألا يكون الأمر مثيراً للجدل.. لكنه كان كذلك بالفعل.
وحذرني قادة الحزب آنذاك، وقالوا «إن أي ذكر لكلمة تبدأ بحرف الفاء (في إشارة إلى فلسطين) في المؤتمر، ستقوض الحزب الديمقراطي». لكننا لم نجر نقاشاً شعبياً قوياً فحسب، بل قمنا أيضاً بمظاهرة في ساحة المؤتمر ضمت أكثر من 1000 مندوب انتخابي يطالبون بـ«العدالة من أجل الفلسطينيين».
وكان رد الفعل شبه هستيري، وتحمل المندوبون الانتخابيون في حملة «جيسي»، ومنهم «سكاف»، وطأة تلك الهستيريا. وسعى الجمهوريون لاستغلال النقاش بشأن القضية الفلسطينية ضد الحزب الديمقراطي. وبدلاً من الدفاع عنا وعن أهمية النقاش المنفتح، جبُنت قيادة الحزب الديمقراطي، وذهب مرشح الحزب في 1988، «مايكل دوكاكيس»، إلى حد رفض تأييد جاليتنا.
وهذا المسلسل كان نهاية احتواء الأميركيين من أصول عربية من قبل اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي. لكن في نهاية العام، عندما أصبح «رون براون»، مدير حملة «جيسي جاكسون» رئيساً للحزب، رحب علانية بالجالية ضمن الحزب، ودافع عنا في مناسبات عدة (متجاهلاً الضغوط لإقصائنا)، وأشرك الأميركيين العرب في شؤون الحزب. وعندما أصبح «بيل كلينتون» رئيساً في يناير 1993، فُتح مزيد من الأبواب.
ومثلما أشرت، حتى رغم هذه الفرص، واجهنا تحديات متجددة أمام مشاركتنا وإيصال أصواتنا المطالِبة بالعدالة من أجل الفلسطينيين، لاسيما في ظل الجهود المستمرة لتجريم الانتقاد المشروع لإسرائيل وتأييد حقوق الإنسان الفلسطيني. وما تعلمناه من تجربتنا السابقة أنه مع الاستراتيجية المبنية على العمل الدؤوب والصبر والخطاب المنطقي، وتأييد حلفائنا، يمكننا مواجهة الخصوم وهزيمتهم.