يُحكى أن ديراً عريقاً من أديرة أوروبا عَهَد إلى رسام نابغة تصوير (العشاء الأخير)على جدار من جدران الدير· فانكب الرسام على عمل هذه اللوحة الجدارية انكباباً شديداً، وأنجز معظمها بزمن وجيز، ولم يبق منها إلا أمر واحد عسر عليه عُسراً شديداً، وهذا الأمر الواحد هو رأس يهوذا الإسخريوطي خائن السيد المسيح· وكان الرسام يجول على سجون المدينة وأحياء الرذيلة فيها ينظر في وجوه المجرمين والسفهاء والساقطين لعله يجد بينهم وجهاً يحمل من معاني الخبث والخيانة والنفاق ما يريد أن يظهره على وجه يهوذا الإسخريوطي ، فلم يجد··· إلى أن فقد رئيس الدير صبره، فشكاه إلى حاكم المدينة،الذي سأله عن سر قعوده بعد نشاطه وعن سبب عجزه أن يرسم رأس يهوذا بالسرعة التي رسم بها رأس السيد المسيح وغيره من رؤوس الحواريين، فقال الرسام: يا سيدي، كل ما قيل لك حول إبطائي وفتوري حق وصدق، غير أنني قد ضاقت بي السبل بشأن يهوذا الإسخريوطي، فأنا لم أقع بعد على وجه له معاني الخبث والخيانة والنفاق التي هي فيه، على طول ما فتشت وكثرة ما تأملت ونظرت بيد أنني قد عقدت العزم على أن أرسم مكانه رأس رئيس الدير لشدة ما ألحّ عليّ وأثقل، ثم إنني قد رأيت وجهه الأقرب شبهاً، بين كل الوجوه، إلى معاني الخبث والخيانة والنفاق التي كان عليها وجه يهوذا الإسخريوطي·
أما الرسام فهو ليوناردو دافنشي ، وأما الدير فهو دير القديسة مريم الشكور في مدينة ميلانو في إيطاليا، وقد بدأ ليوناردو رسم اللوحة عام 1495 ولم ينجزها إلا عام 1498 وأنا قد سقت هذه القصة لطرافتها الفنية والتاريخية، ولأنها قد تثير زاوية من زوايا العلاقة الصعبة المشكلة بين المبدع والمدير·
المبدع والمدير مختلفان أشد الاختلاف في مقاربة هذا العمل وفي فهم معنى إنجازه فالمدير مهما كان لصيقاً بعمل المبدع، فهو لصيق به من ظاهره لا باطنه، وهو لهذا غير قادر البتة على استيعاب الإيقاع الخاص بالعمل الإبداعي كما يحياه الفنان أو الأديب أو المهندس· يتواقت المبدع والمدير عيشاً وحديثاً، ويختلفان زمناً وإيقاعاً· زمن المدير هو زمن التقويم يحياه يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر وعاماً بعد عام، أما زمن المبدع فهو زمن العمل نفسه بما فيه من إيقاع خاص، يحياه المبدع بيتاً بعد بيت في قصيدة، أو لوناً بعد لون في لوحة· وقد اختلف الزمنان، أن يكون للمدير أن يوقت بزمنه الخارجي، زمن الأيام والأعوام، إيقاع الإبداع، وأن يطلب من المبدع إنجاز كذا في يوم كذا؟ أليس من حق المبدع أن يرى في هذا الطلب إكراهاً، وفي ذلك التوقيت قيوداً؟ ثم من له القول الفصل في التقرير متى يكون العمل الإبداعي ناجزاً أو غير ناجز؟ المبدع أم المدير؟ لا شك أن المبدع والمدير يتفقان على ضرورة أن يكون العمل ناجزاً، ولكنهما يختلفان اختلافا شديداً حول معنى الإنجاز فالوجه الشرير الذي كان ليوناردو يبحث عنه جاهداً لينجز به لوحته وجه معروف الهوية ولكنه مجهول الصورة أما الوجه الشرير الذي كان يريده رئيس الدير فقد كان واضح الصورة لأنه معروف الهوية·
ليس الإنجاز حسب مفهوم الزمن الإداري مشكلة المبدع، فهو لخبرته بالوسيلة قادر على رسم وجه يهوذا بأية صورة يشاء رئيس الدير، بما في ذلك أن يجعل لوجه يهوذا صورة رئيس الدير! ولكن هذه الصورة لن تنجز العمل الإبداعي حسب مفهوم إيقاعه الخاص· وحده الوجه الذي يريده ليوناردو هو الذي يمكن أن ينجز لوحة (العشاء الأخير) إنجازا إبداعياً ويجعلها تامة كاملة ووحدها الكلمة الشعرية التي يريدها زهير هي التي يمكن أن تنجز الحولية إنجازاً إبداعياً وتجعلها تامة كاملة·
المِراس الوجودي في البحث عن الصورة والكلمة واللحن و الحركة هو الذي يفتح أمام عيني المبدع أفق الخلود، فيما لا يسع المدير القاطن في زمن الإدارة إلا أن يقفل هذا الأفق بمغلاق الساعة واليوم والشهر· وكما خان يهوذا الإسخريوطي مسيحه، وأسلمه بثمن بخس إلى عذابات الجلجلة، لا يمكن للمدير إلا أن يدع زمن الإدارة يخون عمل المبدع، فيفرض عليه إيقاع الساعة ويسكنه في هشاشة الأيام!
إذ نظرت يوماً إلى لوحة (العشاء الأخير) في دير القديسة مريم الشكور في ميلانو : تذكر أن وجه الشخص الرابع من يسار اللوحة، شخص يهوذا، ربما يكون هو وجه الشر الذي أراده ليوناردو، أو ربما يكون وجه رئيس الرهبان الذي أراد من ليوناردو سرعة الإنجاز على إيقاع الإدارة، فنال سخرية المبدع ناجزة خالدة على إيقاع الإبداع·