تعتزم «نيكي هيلي» السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة ترك منصبها بعد أقل من عامين من توليها المهمة. وفترة ولايتها القصيرة نسبياً ليست استثنائية في هذا المنصب، فقد كانت فترة ولايتها أطول من عشرة من سابقيها. لكن قرارها باغت واشنطن. وظهرت تكهنات على الفور بشأن سبب ترك هيلي لمنصبها، معظمها يركز على احتمال ترشيحها للرئاسة في الدورة المقبلة. لكن هيلي أكدت للصحفيين وهي تقف بجانب الرئيس دونالد ترامب أنها لن تترشح للرئاسة عام 2020 وستدعم ترامب. ومهما كان السبب الذي جعل «هيلي» تقرر أن «تستريح بعض الوقت»، فإن عواقب هذا القرار سيخضع لمراقبة عن كثب حول العالم. لكن فيما يتعلق بالتغيرات الفعلية في السياسة الخارجية الأميركية، ربما يكون التغير في الأسلوب أكثر منه في الجوهر.
والواقع أن «ريكس تيلرسون» وزير خارجية ترامب السابق حين أثبت أنه خجول أمام وسائل الإعلام، أصبحت هيلي الصوت الفعلي لسياسة الإدارة الخارجية. ويعتقد عدد كبير من «الجمهوريين» أن «هيلي» كانت واحدة من بين عدد قليل من «الراشدين» في الإدارة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. فقد أوضحت هيلي أن «أميركا أولاً» لا تعني «أميركا وحدها». وعارضت، بعيداً عن الإعلام، بعض سياسات الإدارة مثل التقليص في الآونة الأخيرة لعدد اللاجئين المحتمل توطينهم في الولايات المتحدة. وتبنت «هيلي» موقفاً من روسيا أشد صرامة من موقف رئيسها. بل ذهب البعض إلى أنها قد تكون «المسؤول البارز»، كاتب المقال، الذي نُشر في «نيويورك تايمز»، والذي جاء فيه أن عدداً من المسؤولين في الفرع التنفيذي يحاولون في هدوء احتواء أسوأ اندفاعات ترامب.
لكن إذا كانت «هيلي» هي ذاك «المسؤول البارز» فليس هناك ما يشير إلى اشتباه ترامب فيها. وفي المؤتمر الصحفي الذي عُقد في البيت الأبيض، يوم الثلاثاء الماضي، أشاد ترامب بإنجازات «هيلي». ووفقاً لعدد من الروايات، تتمتع «هيلي» في الواقع بعلاقة حسنة مع الرئيس. ولدى ترامب أسباب وجيهة كي يُحسن تقدير قيمتها. فقد دعمت «هيلي» شخصياً كثيراً من التوجهات الخلافية في سياسته الخارجية بما في ذلك اعترافه بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى هناك، وانسحاب الولايات المتحدة من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ودعمت أيضاً مسعى ترامب بأن تقلص الولايات المتحدة مساعداتها للدول غير الراغبة في دعم السياسة الخارجية الأميركية واتباع نهج متشدد مع الخصوم مثل إيران وفنزويلا.
وردت «هيلي» على كلمات ترامب الودية تجاهها يوم الثلاثاء بالمثل مشيدة بالرئيس وأسرته. وأكدت على أن الولايات المتحدة الآن «تحظى بالاحترام» بفضل ترامب. لكن «آن جيران» و«جون هدسون» في صحيفة «واشنطن بوست» أشارا الشهر الماضي إلى أن «هيلي» أصبحت تتولى دوراً أقل أهمية في الشهور القليلة الماضية. فقد وعد «مايك بومبيو» خليفة تيلرسون في منصب وزير الخارجية أن يعيد الحيوية إلى وزارة الخارجية وأخذ على عاتقه القيام بقسط كبير من العمل الدبلوماسي فيما يتعلق بكوريا الشمالية وإيران، وهما أهم مشكلات السياسة الخارجية لترامب.
وعين ترامب أيضاً مستشاراً جديداً للأمن القومي هو «جون بولتون»، الذي كان سفيراً أميركياً سابقاً في الأمم المتحدة ومنتقداً شهيراً للمنظمة الدولية. ويفهم «بولتون» بالتفصيل الطريقة التي تعمل بها المنظمة ولديه قائمة أولوياته لتقويضها. وبصرف النظر عن سبب تنحي هيلي، فمن المرجح أن أحد العوامل التي دفعها لهذا القرار أن الحاجة إليها لم تعد كبيرة بعد تغيير بعض المسؤولين في إدارة ترامب. ولم تتضح خطوة هيلي التالية. وقد لا يكون الترشح للرئاسة عام 2020 من أوراقها لكنها ربما تفكر في شيء آخر فيما بعد. وتجربتها القصيرة في الأمم المتحدة منحتها خبرة حيوية في السياسة الخارجية لم تحصل عليها في مشوارها في عالمي الاقتصاد والسياسة.
ومن بين الأسماء التي تحوم في الأفق لخلافة «هيلي»: «دينا باول» و«ماركو روبيو» و«ريتشارد جرينيل» و«توم كوتون» أو حتى «إيفانكا ترامب» ابنة الرئيس. ويشيع أيضاً أن «هيلي» قد تحتل مقعد «ليندسي جراهام» السيناتور «الجمهوري» عن ولاية ساوث كارولاينا، بينما يحتل هو مقعدها في الأمم المتحدة أو ربما تتبادل المقاعد مع وزير العدل «جيف سيشنز» فكل شيء ممكن في هذه الإدارة فيما يبدو. لكن من الصعب تخيل أن يغير أي من هؤلاء الخلفاء السياسة الخارجية الأميركية في القضايا المحورية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»