الأكراد مظلومون. هذا ما هو ثابت في التاريخ المعاصر. ظُلموا في البلدان التي يعيشون فيها، ومازال الظلم واقعاً عليهم بدرجات متفاوتة. لكنهم في الوقت نفسه ظالمون. ظلموا بعضهم البعض، ومازالوا. وسواء أكان ظلمهم لأنفسهم أقل من ظلم غيرهم لهم، أو أكثر، فهم يتحملون مسؤولية أساسية عن معاناتهم، لعجزهم عن حل الخلافات بين أحزابهم وجماعاتهم، ومن ورائها عائلاتهم السياسية، بالحُسنى. وظهر في كثير من صراعاتهم أنهم يفتقرون إلى مقومات أساسية ينبغي توفرها لدى كل من يتطلع إلى الاستقلال بغض النظر عن أحقيته.
وممارسات أكراد العراق اليوم دليل جديد على ظلمهم لأنفسهم، مثلما كانت الحال منذ عام 2003 عندما أُتيحت لهم فرصة فريدة لم يحظ أقرانهم في أي بلد آخر بمثلها. فقد أُقيم النظام السياسي في العراق «الجديد» على أساس اتحادي «فيدرالي» يوزع السلطات في البلاد بطريقة غير مركزية. تتمتع الأقاليم في النظام الاتحادي بصلاحيات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية. لكن ما أُتيح لأكراد العراق في ظل هذا النظام كان أكبر من الصلاحيات المتضمنة في النظام الاتحادي، لأن ضعف الحكومة الاتحادية في بغداد مكَّن إقليم كردستان من تجاوز هذه الصلاحيات.
كان بإمكان أكراد العراق أن يقدموا تجربة صالحة في إدارة الإقليم وتنميته، فتصبح قدوة ونموذجاً. لكن الصراعات الصغيرة، والأطماع الشخصية والعائلية والحزبية، بددت تلك الفرصة التي قد لا يجد الأكراد مثلها مرة أخرى في أي من البلاد التي يوجدون فيها.
وشهدت الأسابيع الأخيرة أحد تجليات هذه الممارسات التي تُضعف موقف الأكراد في مطالبتهم بالاستقلال، وتُفقدهم القوة المعنوية اللازمة لإقناع غيرهم بأنهم يستحقون تحقيق حلم تاريخي يراودهم، ويبدو أنه سيبقى حلماً، ليس لقوة من يرفضونه في المنطقة، ولكن لأنهم يضعفون أنفسهم في المقام الأول.
اشتد تناحر الحزبين الرئيسيين في كردستان على منصب رئيس الجمهورية العراقية المخصص ضمنياً للأكراد في إطار نظام الحصص «الكوتا» المعمول به منذ عام 2003. وتزامن هذا التناحر مع تفاقم الصراعات في داخل إقليم كردستان بسبب الانتخابات التي أُجريت لاختيار برلمان محلي جديد في آخر سبتمبر الماضي. فقد رفض «الحزب الديمقراطي الكردستاني» استمرار التفاهم السابق مع غريمه «الاتحاد الوطني الكردستاني» على أن يكون منصب رئيس الجمهورية العراقية من نصيب الأخير. وبعد أن رشح «الاتحاد الوطني» برهم صالح لهذا المنصب، أعلن «الديمقراطي الكردستاني» ترشيح فؤاد حسين. ودخل الحزبان في معركة كسر عظم، وركض قادتهما إلى بغداد سعياً لبناء تحالفات لنيل العدد اللازم من الأصوات.
وأحدث صراع الحزبين على منصب رئيس الجمهورية ارتباكاً في الساحة السياسية العراقية، وتداخلت المساومات التي سعى كل منهما لعقدها من أجل الفوز بالمنصب مع التحركات التي يقوم بها التحالفان الأساسيان في هذه الساحة (تحالف الإصلاح، وتحالف البناء) لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر التي يحق لها أن ترشح من يتولى رئاسة الحكومة. وأسفرت هذه المساومات عن ترجيح كفة برهم صالح.
لم يقبل «الحزب الديمقراطي الكردستاني» ما حدث، ورفع راية الغضب، وأعلن انسحاب مرشحه بشكل غير رسمي. لكن جولة التصويت الثانية في الجلسة التي عقدها مجلس النواب في الثاني من أكتوبر الجاري حسمت الصراع لمصلحة مرشح «الاتحاد الوطني الكردستاني»، وأدى ذلك إلى توسيع الهوة التي باتت غير مسبوقة بين قطبي الإقليم الكردي، وتصاعد الصراع بينهما على انتخابات برلمان إقليم كردستان، وازدادت الاتهامات المتبادلة بممارسة التزوير كل في مناطق سيطرته ونفوذه.
وينطوي هذا المشهد على دلالات سلبية بالنسبة للأكراد عموماً، ويثير التساؤل عما يمكن أن تؤول إليه الصراعات بينهم بعد أن قدم الحزبان الرئيسيان في كردستان العراق أسوأ صورة يمكن أن يأخذها العالم عنهم، وبددا آخر فرصة لتقديم تجربة أفضل من تلك التي شهدها المجتمع الدولي في الانتخابات العراقية العامة التي أجريت بمشاركتهما في مايو الماضي.
ولعل أهم الأسئلة التي يثيرها مشهد انتخابات إقليم كردستان، وصراع الحزبين الرئيسيين فيه على منصب رئاسة الجمهورية العراقية، هو: ماذا يمكن أن يفعل الأكراد باستقلالهم إذا افترضنا إمكان حصولهم عليه؟ وهل تتصاعد في هذه الحال الصراعات بينهم على نحو يهدد بتكرار السيناريو البائس في جمهورية جنوب السودان؟