نظمت رابطة العالم الإسلامي منذ أيام مؤتمرها العالمي الثاني في نيويورك بعنوان «التواصل الحضاري بين الولايات المتحدة الأميركية والعالم الإسلامي»، بمشاركة صفوة من رجالات الدول والمختصين والباحثين وممثلي الديانات السماوية ومسؤولي المنظمات الإقليمية والدولية، في حفل فكري متنوع في انتماءاته وكفاءاته، وكان قد عهد إليّ فيه بالحديث عن موضوع جدلية الهيمنة الثقافية بين الاعتدال والتطرف. ومعلوم أن مصطلح الهيمنة الثقافية وجد طريقه إلى العلوم السياسية بعد الحرب العالمية الثانية، وقد تأثر بأطروحات الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1936)، الذي كان معارضاً للفاشية، وشخص قدرتها على الهيمنة على المجتمع الإيطالي، مقابل فشل الثوار (الماركسيين آنذاك) الذين أتوا بمبادئ العدالة الاجتماعية في حمل ضحايا الفاشية على الثورة.
وقد انتبه غرامشي منذ زمن بعيد إلى الدور المنشود لاستخدام منهجية الحرب الناعمة، كحرب تسبق القوة الخشنة المتحركة، وأدرك أن هناك حرباً ثقافية قائمة بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي تتطلب استنهاض وسائل الإعلام، والمؤسسات التربوية والفكرية، بهدف إنتاج ثقافة بديلة مقاومة لثقافة الهيمنة النابعة من قيم وفلسفة الرأسمالية.
في تدخلي، تطرقت إلى مسألة الهيمنة الثقافية وإلى موضوع التعددية الثقافية المنشودة، فإذا كان من حق أي دولة أن تسعى جاهدة لتكون في المقدمة في مجال الثقافة والاقتصاد والتأثير العلمي مثلاً، فالذي ننبذه ونحن نتحدث عن بناء الأسرة الإنسانية الواحدة والبيت المجتمعي المشترك، هو ذلك الاختراق الثقافي الذي يهدف إلى الاستيلاء الثقافي على الطرف الآخر ونشر ثقافة الطرف المهيمن، وتقويض أسس الثقافات المحلية والقومية، من أجل سيادة نموذج واحد للتفكير، ونشر قيم معينة.. وأعطيت مثالين على ذلك: الفرانكفونية، وهي ليست اللغة الفرنسية فحسب، بل هي ذاك الاختراق الثقافي أو الانغماس في تجربة الآخر سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ما يعني التبعية. ?ولا ?غرو ?أنه ?بهذا ?الخيار ?الثقافي ?الاستعماري ?نجحت ?فرنسا ?في ?مسح ?الشخصية ?الثقافية ?واللغوية ?للعديد ?من ?المجتمعات ?الأفريقية ?التي ?استعمرتها..
المثال ?الثاني ?يكمن ?في ?بعض ?الأبحاث ?الأنتروبولوجية ?والسياسية ?عن ?العالم ?الإسلامي، ?فمنذ ?ظهور ?كلمة ?الثقافة ?في ?اللغات ?الأوروبية منتصف ?القرن ?التاسع ?عشر، ?أصبحت ?موضوعاً ?تفنن ?فيه ?علماء ?الأنتروبولوجيا ?والاجتماع ?الذين ?جعلوا ?من (?الثقافة) ?أحد ?فروع ?العلوم ?الاجتماعية، ?وفي ?هذا ?الباب ?جاءت ?المناهج ?التفسيرية ?المتعلقة ?بالثقافة ?والمسالك ?عند ?العرب ?في ?ثمانينيات ?وتسعينيات ?القرن ?الماضي، ?والتي ?تعني ?عندهم ?أن ?كل ?ما ?له ?صلة ?بالإنسان ?العربي ?والعقل ?العربي، ?إنما ?هو ?رديف ?للتراجع ?السياسي ?والحضاري ?والتخلف ?الفكري، ?فأصبحت ?تلك ?الذهنيات ?والمسالك، ?العامل المستقل ?في ?تفسير ?غياب ?الانفتاح ?السياسي ?والمؤسسات ?والتطور ?الاجتماعي ?والاقتصادي، ?والركود ?السياسي.. ?لذا ?وجدنا ?في ?الكثير ?من ?الكتابات ?تمادياً ?في ?الاستهانة ?بالعقل ?والذات ?الحضارية ?العربية.
وقلت في إطار حديثي عن التعددية الثقافية المنشودة، إنه لا يمكن خلق روح التعاون الإنساني ببعد كوني، إذا لم نبدأ باحترام الآخر. فهناك حدود على العولمة ألا تلغيها، تلكم التخوم التي تمكننا من الانتقال من ثقافة إلى أخرى، وتعلمنا أنه ليس هناك لغة واحدة بل لغات متعددة، وأن كونية الإنسان تتجسد في كل ما هو خاص، وأن مناطق الإنسان ليست فقط مادية أو جغرافية، بل إنها أيضاً مناطق روحية، ولا غرو أنه في هاته المناطق يجد كل فرد منا كرامته ويقيسها كما يقيس كرامة الآخر، وفي هذه المجالات أيضاً يصاغ السلم العالمي ويحدد مصير الشعوب وكذا قواعد التسامح بين الناس. وباتحاد الدول ووفق تركيب محكم عن طريق الاستثمار الأمثل لتحويل مواردها الخاصة وحصولها على أسواق ضخمة ووفائها لخصوصيتها الثقافية واحترام ثقافة الآخرين، يتسنى لكل دولة ولكل مجموعة بشرية أن تسهم في بناء عالم أكثر عدلاً وأقل رعباً. وهذا هو الحوار الحقيقي الذي ننشده جميعاً، وهو الذي يوم تتأصل شجرته في النفوس، وتشمخ فروعه في آفاق حياة البشر، وتأنس أرواحهم في ظلاله الوارفة.. يومئذ تبدأ المجتمعات جني ثمراته، وإذاك تكون قادرة على بلورة قيم ومبادئ وأخلاقيات ووسائل وضوابط ميثاق بشري راسخ، يكون منطلقاً صلباً، وسبيلاً آمناً لمسيرة بشرية راشدة.

*أكاديمي مغربي