الأفعال دائماً ما تفضح النوايا، كما قال الأولون، والسلوك كذلك، فإنه يؤشر في كثير من الأحيان على ما تنوي القيام به من أعمال، والسؤال هنا: لماذا يريد البعض أن تكون أفعاله عكس نواياه، تجري خفيةً، بعيدة عن عيون الآخرين؟ رغم أن هؤلاء الآخرين يقاسمونه الأرض ذاتها، ولا يضمرون له سوى الاحترام في الوجود، والكرامة في العيش. لا تُحجب الأفعال عن عيون البشر، إلاّ إذا كانت أعمالاً ليست مشروعة أو قانونية، ومتى كانت كذلك، كانت لا إنسانية، تستهدف أذى الناس وتهددهم في حاضرهم ومستقبلهم. ولعل أحدث الأمثلة على ذلك وأكثرها قلقاً للبشرية في وقتنا الراهن، الطاقة النووية التي تعدُّ سلاحاً ذا حدين: فبالإمكان استخدامها قنبلةً نوويةً تفتك بالبشر وتدمر حضارة الكوكب، أو استخدامها لمنافع البشر وإسعادهم، وتسهيل سبل حياتهم. لذا، فإن كل ما كان لمنافع البشرية وفائدتها، كان مُعلناً يسطع فوق الأرض، ويتشاطر فيه الجميع.
وكل ما كان خلافاً لذلك، يضر بالبشرية ويسبب لها الأذى، كان سريّاً يجري تدبيره في الخفاء تحت الأرض، ولا يشاطره أحدٌ فيه. في السياق نفسه، تحضرني كلمات خالدات عن (الذرة من أجل السلام) للرئيس الأميركي «دوايت إيزنهاور» ألقاها في عام 1953، تقول:(إذا كان هناك خطر يخيّم على العالم، فإنه خطر يتشاطر فيه الجميع، وبالمثل، إذا كان هناك أمل يراود أمة واحدة، فإن هذا الأمل يجب أن يتشاطر فيه الجميع).
بعد 4 أعوام على هذه الكلمات، أنشئت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتشكّلت ما سميَّ (الدبلوماسية النووية) التي أفضت جهودها إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية في عام 1970. من الأمثلة الرائعة على المشروعات النافعة للبشر و(يتشاطر فيها الجميع).. المشروعات المُعلنة أمام عيون العالم، مشروع (برّاكة) لمحطات الطاقة النووية في دولة الإمارات، الذي تُشرف على تطويره وإدارته مؤسسة الإمارات للطاقة النووية (تأسست عام 2009). والمشروع الذي جاء ليلبي الطلب المتزايد على الطاقة الكهربائية، ولأغراض تنويع مصادر الطاقة في الدولة، يضمُ أربعة مفاعلات للطاقة النووية المتقدمة تكتمل بحلول العام 2020، وقد جرى العمل فيه وفقاً لتوجيهات شبكة واسعة من المؤسسات الدولية، من بينها المجلس الاستشاري الدولي، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والاتحاد الدولي للمشغلين النوويين.
وكمثال على جرأة إشهار مشروع نووي بهذه الضخامة من حيث المنافع للبشرية- وكتجربة رائدة في المنطقة العربية- فقد فتح موقع «برّاكة» للوفود الرسمية من كل مكان، للإطلاع عليه، فلا شيء يجري في الإمارات خفيةً، بل جهاراً نهاراً وأمام الجميع، في شهر سبتمبر عام 2012، رحب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بفخامة الرئيس (لي ميونج باك) رئيس جمهورية كوريا الجنوبية، في الموقع لإطلاعه على أهم ما تحقق، وفي شهر يناير 2013، استضاف الموقع ممثلي "يوكيا أمانو" المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجالوا فيه وأشادوا بمستوى السلامة المعمول به. وفي شهر مايو 2014، استضافت مؤسسة الإمارات للطاقة، وفداً رفيعاً برئاسة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير شؤون الرئاسة، لمناسبة وصول حاوية المفاعل لمحطة الطاقة النووية الأولى في الموقع. وفي يناير من العام نفسه، استضافت المؤسسة (يون سانج) وزير التجارة والصناعة والطاقة لكوريا الجنوبية. هنالك فرق بين مشروع سلمي ينفع البشرية ويجري في العَلن، وآخر غامض يهدد البشرية يدبر في الخفاء.