يعاني كوكبنا الأزرق الصغير الارتفاعَ الشديد والخَطِر في درجات الحرارة بمعدّلات غير مسبوقة منذ أكثر من مئة عام، ما ينبئ، في حال كنا في اتجاه ارتفاع صعودي من عام إلى آخر، بأخطار وجودية حقيقية قد تجعل كارثة حرب نووية تبدو نزهة في مقابل هذا المصير الذي لا تنبغي الاستهانة باحتمالاته، ولا سيما في ظل تصاعد التنمية العالمية، وتوسُّع الصناعة والنقل، وحرق أنواع الوقود العضوي، بدءاً من الأخشاب والفحم وانتهاءً بالغاز الطبيعي.
وهذه الكارثة، ومشكلاتنا البيئية الأخرى، مثل الاستغلال المفرط للمناجم، ومصادر المواد الأولية، والتلوث والانبعاثات الكربونية، جميعها تشير بشكل متوازٍ إلى أن حضارتنا الحديثة الحالية أصبحت تأخذ الحياة على الأرض باتجاه آخر معاكس.
وفي ظل هذا الاتجاه الشديد الخطورة، يتدافع المجتمع الدولي نحو تحقيق أجندات الاستدامة البيئية، والتخفيف من آثار تغير المناخ. ومع تصاعد الجهود الرامية إلى تحقيق التحوّل المنظّم والمسؤول في قطاع الطاقة، ظهر شكل جديد ومبتكر من الاستثمارات باسم «السندات الخضراء». وهذه الأداة المالية، المصممة لدعم المشروعات الصديقة للبيئة، أصبحت تكتسب زخماً عالميّاً واسعاً، ولا سيما أنها تحقق عوائد جيدة، إلى جانب إمكانياتها في إحداث تغييرات إيجابية في المجتمعات الإنسانية، باتجاه استخدام البدائل المستدامة. وعلى الرغم من كثرة التحديات وتوازيها مع الفرص بالمنطقة العربية، فإن السندات الخضراء تأتي لتقدم حلولاً ومفاتيحَ مهمة لمعالجة القضايا البيئية المُلحّة، وتحفيز مشروعات البنية التحتية والطاقة النظيفة.
السندات الخضراء بصفتها وسيلة تنموية
السندات الخضراء هي صكوك استدانة تُراعي متطلبات الاستدامة في الاستثمارات المرتبطة بالطاقة المتجددة، والإدارة المستدامة للنفايات، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وغير ذلك. ولا يقتصر إصدار السندات الخضراء على كيانات محددة، بل يمكن أن تَصدُر عن الهيئات الوطنية العامة، والبلديات، والنقابات، والشركات الخاصة. ويسمح هذا التنوع من الأدوات بتمويل مجموعة واسعة من المشروعات الحكومية والخاصة، ما يجعل منها أداةً متعددة الاستخدامات لقيادة التحوّل في مشروعات الاستدامة في مختلف القطاعات. وبات هذا الترابط بين التقدم الاقتصادي وتغير المناخ، الذي يشار إليه غالباً بالاقتصاد الأخضر، يُشكل قوة دافعة لهذا القطاع، وقاطرة لتحسين جودة الحياة البشرية، وضمان مستقبل بيئي أكثر أمانًا للأجيال المقبلة.
وعلى الرغم من أن شعبية السندات الخضراء أقل من نظيرتها التقليدية، فإنها تشهد ازدياداً ملحوظاً، حتى مع قلة إدراك المستثمرين التقليديين أهميتَها في تحقيق مستهدفات التوازن بين الأنشطة الاقتصادية والحد من التلوث البيئي.


سوق السندات الخضراء العالمية
ارتفعت قيمة السندات الخضراء المُصدَّرة في جميع أنحاء العالم بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية، ففي حين أن قيمة السندات الخضراء المُصدَّرة لم تتجاوز 37 مليار دولار في عام 2014، إلا أنها تجاوزت التريليون دولار بين عامَي 2021 و2022، وفقاً لموقع ستاتيستا (Statista) الإحصائي.
ووفقاً للتحليلات السوقية، يُتوقع استمرار انتعاش إصدار السندات الخضراء العالمية في عام 2023، وسط السياسات العالمية الداعمة، وأسعار الفائدة المرتفعة، وارتفاع الإصدارات الحكومية والخاصة. وبحسب توقعات بنك باركليز (Barclays)، فإن السندات الخضراء للشركات وحدها ستنمو بأكثر من 30% في عام 2023. 
وكان لنمو هذا القطاع أثر تراتبي واقتصادي واضح. ويشير تقرير للوكالة الدولية للطاقة المتجددة ومنظمة العمل الدولية، صادر في عام 2022، إلى ارتفاع التوظيف العالمي في قطاع الطاقة المتجددة بنسبة 66% ليصل إلى نحو 13 مليون وظيفة في مختلَف أنحاء العالم، مقارنةً بنحو 4.3 مليون في عام 2021، وهو ما يؤكد أن نمو هذا القطاع سيعزز من الاقتصادات المحلية، ويخلق فرصاً اقتصادية واجتماعية متعددة.


حركة الاستثمار العربي الأخضر
إن ضغوطات المجتمع الدولي التي تربط تنافسية الدول مع متطلبات البيئة أصبحت تُكسب الاستثمارات في البدائل المستدامة، مثل الطاقة النظيفة ومصادر المياه المتجددة وإعادة استخدام المياه والزراعة العضوية والمنتجات الصناعية الخضراء والنقل المستدام، أهميةً نسبية عالية لا يمكن التغافل عنها، فوفقاً لإحصائيات ستاندرد آند بورز للخدمات المالية (Standard & Poor's)، يُتوقّع أن تصل سوق «السندات الخضراء والاجتماعية والمستدامة والمرتبطة بالاستدامة» (GSSSB) إلى نحو تريليون دولار في عام 2023، وستشكل 14%-16% من إجمالي إصدارات السندات الدولية.
وقد ولَّد هذا الاتجاه العالمي اهتماماً متزايداً بالاستثمارات الخضراء في الدول العربية، وبات يعكس تحولات مهمة في أولويات الحكومات ومؤسسات القطاع الخاص. وبحسب «مؤسسة التمويل الدولية»، تضاعفت تمويلات الاستثمارات الخضراء لتصل إلى نحو 19 مليار دولار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عام 2020، مع توقعات بوصول إجمالي إمكانيات الاستثمارات المناخية في قطاع الطاقة المتجددة في دول مثل: مصر والأردن والمغرب إلى 265 مليار دولار. وتُظهر بيانات «بلومبيرج» لأسواق رأس المال، أن الشهية الخليجية المفتوحة للاستثمارات الريادية في مشروعات الطاقة المتجددة تُمثل نموذجاً استثماريّاً متكاملاً لدول المنطقة، إذ بلغ إجمالي إصدارات السندات والصكوك الخضراء والمستدامة 8.5 مليار دولار في عام 2022، مقارنةً بنحو 605 ملايين دولار في عام 2021.


مستقبل الاستثمار الأخضر في المنطقة العربية
ما زالت المنطقة العربية في مجملها تحتاج إلى تطوير البنى التحتية اللازمة للطاقة المتجددة، والانتقال إلى أنظمة الطاقة المستدامة، ولكن الاستثمار في هذا القطاع يصطدم بمزيج متنوع من التحديات المتزامنة مع الفرص، ومن أبرزها التمويل، ولا سيما أن طبيعة المشروعات المؤثرة قد تتطلب تكاليف رأسمالية أعلى مقارنةً بالطاقة التقليدية، أضف إلى ذلك أنه قد لا يكون العائد السريع على الاستثمار بالجاذبية المنافسة لغيره من أنواع الاستثمارات.
وتبرُز هنا السندات الخضراء وسيلةً فاعلة للوصول إلى مصادر مبتكرة لتوفير رؤوس الأموال التي قد تسهم في إيجاد فرص تجارية، ودعم سوق الوظائف في هذا القطاع الذي ما زال في مرحلة المخاض. ولكن التحول الشمولي هنا لا يقتصر فقط على فكرة وجود السندات الخضراء بل يتعداها في التغلب على العوائق المحيطة الأخرى، فهناك تردد واضح لدى العديد من البنوك في الدول العربية في دعم «مشروعات المناخ الأخضر»، التي تصفها بـ «ذات المخاطر الائتمانية العالية»، وفي ذلك دلالة على نقص الوعي بأهمية الاستثمارات الخضراء، ما يشكل عائقاً للاستخدام الواسع النطاق للسندات الخضراء واعتمادها في كثير من البلدان، ويمكن تبرير ذلك بضعف التشريعات والبيئات التنظيمية المحفزة للاستثمارات المحلية والدولية في الأسواق العربية.


التغلب على التحديات 
لإحداث تغيير حقيقي لمواجهة هذه التحديات، ينبغي للحكومات اتباع نهج وطني متعدد الأوجه، ويمكن أن تبدأ الخطوة الحاسمة بالأطر التشريعية المحفزة للاستثمارات، والمشجعة للقطاع الخاص لأداء دور أكبر في تعزيز الجهود الرامية إلى مواجهة تداعيات تغير المناخ وتنويع محافظها الاستثمارية، ويمكن أن تسهم الميزانيات الحكومية في المرحلة الأولى في تقديم التمويل للمشروعات التي قد تعدها البنوك «غير قابلة للتمويل». 
ويمكن لسياسات الحوافز أن تؤدي دوراً مهمّاً في دعم سوق السندات الخضراء المحلية، وتشجيع المزيد من المستثمرين على المشاركة. وقد تشمل الحوافز توفير المراكز الاستشارية المزودة بالخبرات العلمية والدولية المتميزة، وتأمينات رؤوس الأموال، والمنح الحكومية، والتخفيف الضريبي، وخفض تكاليف الاقتراض، التي ينبغي تصميمها لجذب الاستثمارات المحلية والإقليمية والدولية. 
وما يجب العمل لتحقيقه هو التوسُّع الممنهج لدائرة المشاركة في سوق السندات الخضراء، وبما يسهم في تحفيز أنشطة المستثمرين إلى إنشاء اقتصاد وطني يعالج المخاطر البيئية، ويدعم العمل المناخي، ويتماشى مع الدعوة العالمية المتزايدة للانتقال إلى تنمية منخفضة الكربون.


الريادة في مستقبل الاقتصاد العالمي
بات واضحاً أن السندات الخضراء ليست مجرد أداة استثمارية، بل هي أشبه بالحافز إلى التغيير، ووسيلة لمواءمة متطلبات التنمية مع الإشراف البيئي للوصول إلى الحياد الكربوني الذي يسعى إليه المجتمع الدولي بصفته هدفاً رئيسيّاً لا حياد عنه. 
وفي خضم تصارُع المنطقة العربية مع التحديات التنموية غير المسبوقة، تبرز السندات الخضراء طوقًا للنجاة، وأداة محورية متناغمة مع المتطلبات العالمية لمواجهة تغير المناخ والتنمية المستدامة. ويمكن للمنطقة كذلك توفير تكاليف الطاقة الباهظة التي تثقل موازناتها، وتقلب ميزانها التجاري. وباختصار يمكن للمنطقة العربية تسخير السندات الخضراء لبناء مستقبل عربي مرن وسليم بيئيًّا، ولكن ذلك يتطلب التأطير الاستراتيجي على المستوى الوطني لضبط إيقاع المستهدفات والنتائج المأمولة.


*مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي في جامعة الدول العربية