منذ سنوات ليست بالبعيدة، وقبل تحول شبكة الإنترنت إلى شريك أساسي في مفردات الحياة اليومية للإنسان، كان الإعلام بالنسبة لنا هو ثلاثة مكونات أساسية: الإذاعة والتليفزيون والصحافة الورقية (الصحف والمجلات). تربينا صغاراً على ملمس الورق للجريدة اليومية، وعلى الإنصات إلى صوت المذياع المميز وشاشات التليفزيون، التي كانت تبهرنا وتنقل لنا المعلومة، والمعرفة، والخبر والترفيه.
تطورت المعطيات بصورة متسارعة منذ أن دخلت شبكة الإنترنت إلى البيوت وأصبحت رافداً رئيسياً للمعرفة والعلم والإعلام، واتسعت دائرة التداخل الثقافي بين المجتمعات وتلاشت الحدود الجغرافية ثقافياً ومعرفياً، وأصبح هناك مشترك يجمع غالبية البشر داخله، وهو العالم الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، وظهر ما أصبح يُعرف حالياً بالإعلام الرقمي، وأصبحت المواقع الإلكترونية الصحفية بأنواعها المختلفة هي البديل عن الصحافة الورقية، والتي تنزوي رويداً. وما عادت الأجيال الجديدة تعرف ملمس أوراقها الناعم، وتحولت منصات البث المباشر للفيديو كاليوتيوب إلى بديل للتليفزيون، والبودكاست أصبح بديلاً للإذاعة.. وكل تلك الوسائط الرقمية في متناول كل إنسان، وتضمن مساحة أكبر من الانتشار والتوسع. والجانب الأكثر أهمية، والذي أركز عليه اليوم هو خروجها عن السيطرة.
الخروج عن السيطرة هنا بمعناه المجتمعي والقيمي، فتلك المواقع والمنصات ومختلف جوانب الإعلام الرقمي أصبحت خاضعة في جانبها الأكبر للضمير الفردي للقائمين عليها، وأصبحت أرضاً خصبة للأخبار الكاذبة، وتحولت الشائعات إلى حقائق، لأن نشر الخبر أصبح يخضع في هذا العالم الرقمي الواسع إلى فكرة جنون السبق، والحصول على أعلى معدلات المشاهدة، أو ما يطلق عليها في الثقافة الرقمية حالياً (الترند).
وتميز الإعلام الرقمي عن الإعلام الكلاسيكي بعنصر مهم جداً وهو التفاعل مع المتلقي، وقيام نقاش بين المُنتج للمادة الإعلامية وبين القُراء وبين القُراء والقُراء أيضاً. وهذا جانب له شقه الإيجابي وأيضاً سلبي، فهو يزيد من مساحة التواصل بين الثقافات والأفراد، ويُثري المادة الخبرية والمعرفية والفكرية بصورة كبيرة، ويلقي الضوء على حقائق وجوانب قد تكون خافية على المصدر. وهذا جانب إيجابي كبير ومؤثر، ولكن تبقى مساحة لبث المزيد من الأخبار الكاذبة والشائعات والأفكار الهادمة. وعند هذه الزاوية، أقدم السؤال المُلح: هل يمكن السيطرة على الإعلام الرقمي وفلترته بصورة مؤسسية؟
الإجابة (لا).. هي إجابة قاطعة لابد ألا نتغافل عن تلك الـ (لا) الكبيرة، التي لابد وأن نستخدمها كقاعدة نبني عليها تصورنا لعلاقة المجتمع مع الإعلام الرقمي في المستقبل، لأن العالم يتجه للمزيد من التحرر من القيود القانونية التي تحكم هذا العالم الرقمي الواسع وحتى تجتمع البشرية على قانون يحكم بعدالة ذلك العالم، وأظن أن هذا الأمر حتى ولو تم، لن يفلت من المواءمات والصراعات السياسية التي تحكم العلاقات الدولية، لذلك فإن بداية التعامل مع هذه الإجابة المربكة للبعض تحتاج للوقوف عند بناء الوعي.
من المهم بناء الوعي وتربية الأجيال الجديدة على مفاهيم القيم الإنسانية وبناء الشخصية المستقلة القادرة على التمييز الواعي وقراءة ما بين السطور وتفنيد ما تتضمنه مواد الإعلام الرقمي من أخبار وآراء وفكر اعتماداً على موروث ثقافي وهوياتي صلب مبني على قواعد التفكير العلمي والنقدي. وهذا يوضح الدور المهم للتربية الثقافية والمعرفية والأخلاقية للأجيال القادمة، والذي يُعول على آباء تمتلك وعياً وثقافةً ومعرفةً وقيماً ومدارس تمتلك مرونة تعليمية وثقافية ومعرفية تتواءم مع تغيرات العصر وقادرة على تكوين الشخصية والعقلية المفردة للطفل دون مفهوم الانسياق داخل المجموع دون تفكير والتخلي عن مفهوم أنا أفعل هذا لأن الجميع يفعله. الوعي هو الضمانة الوحيدة للتعامل مع الإجابة (لا). 

*أستاذ زائر بجامعة الإمارات وأستاذ زائر بكلية التقنية العليا للطالبات بالعين