التعليم في عالمنا العربي والإسلامي بحاجة ماسة إلى التدخل السريع، وهذا ليس مقتصراً على الحروب فحسب. وأبدأ بفرنسا في القرن التاسع عشر الميلادي، فلأسباب سياسية منعت الحكومة الفرنسية آنذاك الجالية اليهودية من تدريس أبنائهم في مدارسها وحرمتهم من التعليم. نقول التعليم فقط، يرفع أي أمة بالمطلق، فقبلت التحدي، فقامت الجالية اليهودية بتعليم أبنائها تحت الأرض، بعيداً عن أعين الرقباء والمتطفلين والمطففين، فاجتمعت رجالات هذه الجالية فقررت أن تعلم أبناءها في البيوت بأيديها بعيداً عن أعين الفرنسيين، فاتفقوا على عمل جرد لأنفسهم في قطاع التعليم؛ فكل صاحب تخصص يقوم بدوره في تعليم أبناء الجالية من «A- Z»، أو من الألف إلى الياء وفي جميع التخصصات.
وهكذا مرت عقود، وعندما أطل القرن العشرون برأسه كان اليهود هم الأوائل في كل التخصصات، فلم تستطع الحكومة تجاهلهم، بل استعانت بهم لرفعة شأن فرنسا الدولة، فدخلوا إلى مفاصلها فغيروا وجه فرنسا القرن العشرين عبر جسر التعليم.
في أوائل ثمانينيات القرن الماضي عندما كنت أعمل في ديوان وزارة التربية والتعليم وكنت حينها حديث التخرج، حضرت ندوة عن تجربة «التعلُّم الذاتي» لضيوف حضروا من فنلندا لشرح تجربتهم لنا من باب تبادل الخبرات والتجارب في القطاع التربوي بين المعنيين بهذا الموضوع الجديد.
ملخص هذه التجربة، هو الاعتماد على المعلم بنسبة 10%، والطالب بنسبة 90%، بلجوئه إلى مصادر المعلومات الأخرى في التحضير للمادة العلمية، بحيث يتغير مسمى المعلم إلى مجرد «مشرف».
هذا هو الجزء النظري الذي يفترض أن يغير العلاقة جذرياً بين المعلم والطالب، وعند التطبيق التجريبي لم تكن الصورة وردية ! 
الملاحظة الرئيسة على هذا البرنامج كانت في قلة اهتمام الطلبة بهذا المعلم عند الحاجة إليه، فكان وسيلة النداء ليس بالكلام، بل بفرقعة الأصابع كما يفعل بعض الزبائن مع النادل في المطاعم، فالنتيجة النهائية هي أن الطلبة خالفوا قول الشاعر: قمْ للمعلم وفه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا.
لقد أوقفوا هذا البرنامج في «التعلم الذاتي» حتى يتم تدارك هذا الخلل التربوي الأهم من التعليم ذاته. لقد أثار هذا البرنامج الفنلندي لدي الفضول للبحث في تراثنا العربي والإسلامي عن الأدبيات الخاصة بالتعلم أو التعليم الذاتي، فاكتشفت حصيلة ضخمة يمكن أن تجمع في مجلدات، ولكني ذهبت إلى جهد المقل، فنشرت ما جمعت حول هذا الموضوع التربوي في إحدى المجلات التربوية بالدولة، فأثبت في عجالة ورقية بأننا قد سبقنا في ذلك المجال فنلندا بأربعة عشر قرناً، من دون أن نفقد احترام الطالب لمعلمه. 
أما في مدارس بريطانيا، فكان برنامج «تعليم التفكير» مقرراً من المرحلة الابتدائية فما فوق، وهو يعلم الطلبة طرق التفكير في سن مبكرة وصاحب هذا المقترح هو «إدوارد بونو»، المتخصص المعروف بنظرياته في هذا المجال الذي يغذي عقول الطلبة بالتفكير الناقد والنافع لإدارة شؤون الحياة بوعي وإدراك.
 
* كاتب إماراتي