فصول جديدة في الأزمة الروسية الأوكرانية، وخشية عالمية من تفاقم متوقع ليس بسبب تدهور إمدادات الطاقة فحسب، بل من نشوب حرب أكبر قد تمتد إلى منعطفات أكثر خطورةً، وهو الأمر الذي من أجله جاءت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى روسيا الثلاثاء الماضي في مسعى لإيجاد حل سلمي للأزمة، والدعوة إلى الدبلوماسية والحوار، واحترام قواعد ومبادئ القانون الدولي.
العالَمُ اليومَ أمام تحولات كبيرة قد تقلب موازين النظام الدولي برمته إلى نظام أكثر وضوحاً في مسألة الأقطاب والمعسكرات، بعد سنوات تجاوز فيها العالَمُ الحربَ الباردة بين موسكو وواشنطن مروراً بسنوات من هيمنة القطب الأوحد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه، لتبدأ اليوم مرحلةٌ أشبه بلملمة آثار الانهيار ومحاولة صد «الناتو» كأكبر مستفيد من تقويض الاتحاد السوفييتي وابتلاع أجزائه في تحالف موجه ضد روسيا نفسها، فبدأ التصعيد الفعلي بتخريب خطي «نورد ستريم 1» و«نورد ستريم 2»، وهما ناقلا الغاز الطبيعي الممتد من روسيا إلى ألمانيا عبر قاع بحر البلطيق مروراً بالمياه الاقتصادية للدنمارك وفنلندا والسويد. وقد تحدثت روسيا عن تورط الولايات المتحدة في تخريب الخطين، وقالت إن البحرية الأميركية أجرت مناورات عسكرية بمنطقة مرورهما، وإن التفجيرات وقعت بمنطقة تسيطر عليها بالكامل وكالات الاستخبارات الأميركية. والأهم من كل هذا هو أن واشنطن هي الرابح الأكبر من تعطل ذينك الخطين بعد تزايد الطلب على صادراتها من الغاز المسال لأوروبا، والذي قفز بعد الحادثة إلى أعلى مستوى له منذ 14 عاماً. ويُذكر هنا أيضاً أن الولايات المتحدة تتجهز حالياً لتصدير 160 مليار متر مكعب من الغاز إلى أوروبا كبديل للغاز الروسي.
وبقياس هذه الحرب في تصعيدها الحالي بمقياس الربح والخسارة، يتضح أن الرابح الأكبر هو أميركا بلا شك؛ فأوكرانيا خاسرة رغم إمدادها بالسلاح الغربي والتكنولوجيا المتفوقة، وكذلك دول «الناتو» التي تتدهور اقتصادياً وتتراجع وراداتها من الطاقة. أما روسيا فهي، في تقديري، خارج معادلة الربح والخسارة حتى اليوم، ذلك أن إعلان الرئيس فلاديمير بوتين ضم أربع مناطق أوكرانية (زابوريجيا وخيرسون ودونيتسك ولوغانسك) إلى روسيا يشكل هدفاً بحد ذاته، وقد تحقق بالفعل، خصوصاً وقد جاء هذا الضم عقب استفتاء شعبي في المناطق المذكورة، أشرف عليه الجانب الروسي نفسه.
وإلى جانب الحرب العسكرية، تقوم روسيا بحرب أخرى في مجال «القيّم»، فقد أحدثَ خطابُ الرئيس بوتين الأخير صدى كبيراً، إذ كان موجهاً للعالم، وقد انتقد بعضَ التوجهات اليسارية والليبرالية التي تمس الفطرةَ الطبيعية للفرد والأسرة، رافضاً كلَّ ما يؤدي إلى الإخلال بالتكوين الفطري للإنسان وبالقيم المجتمعية. الخطاب تلقفه ملايين الناس حول العالم بما فيه أوروبا التي تضم ملايين المحافظين والمتمسكين بهذه القيم. لكن المهم أيضاً في هذا الخطاب هو تشديد بوتين على انتهاء القطب الواحد الذي يتحكم بالعالم اقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً وسياسياً وأخلاقياً.. وهذا بيت القصيد ولب المقال! 

*كاتبة سعودية