طريق مسدود بلغته الأزمة الليبية. صراعات داخلية متواصلة تغذيها مليشيات مسلحة كرَّست نفوذَها على مدى سنوات، وخاصةً في غرب البلاد. وقوات أجنبية ينتهك وجودُها سيادةً منقوصة يتعذر إكمالها من دون حل الأزمة، عبر انتخاب رئيس وبرلمان وتشكيل حكومة جامعة، في حماية الجيش الوطني الجاهز لكى يؤدي دورَه في مختلف أنحاء البلاد، ويساهم في دعم التكامل الوطني الذي تواجهه تحدياتٌ جسيمة. وهذا فضلاً عن تدخلات دولية لا يخفي بعض القائمين بها أطماعاً، فيما يتستر آخرون وراء شعارات المساعدة في حل الأزمة. أما الأمم المتحدة التي تطلع إليها الليبيون لتعينهم، فينطبق عليها مثل عربي قديم معناه أننا جئنا به ليعين فاكتشفنا أنه يحتاج مَن يعينه. وليس تعيين ثمانية مبعوثين أُمميين لليبيا خلال نحو عشر سنوات إلا شاهداً واحداً على ذلك.
وفي الوقت الذي تعثرت فيه جهود ومحاولات حل الخلافات القليلة الباقية في القاعدة الدستورية للانتخابات، وتعذر على حكومة الاستقرار التي شكلّها مجلس النواب برئاسة فتحي باشاغا مطلعَ العام الجاري مباشرةَ مهامها في طرابلس، بسبب تشبث حكومة الدبيبة المنتهية ولايتها بالسلطة، واستمرار الانقسام، اتجه بعض البرلمانيين والسياسيين والأكاديميين الليبيين إلى المطالبة بالعودة إلى النظام الاتحادي (الفيدرالي)، عبر اعتماد دستور عام 1951 بعد التداول بشأنه.
وسيكون مفيداً إجراء حوار موضوعي بنَّاء بشأن هذه الدعوة بين الأطراف الليبية المختلفة، بعيداً عن السجالات والمهاترات. فالنظام الاتحادي يمكن أن يكون مدخلاً لحل الأزمة، ولكن ليس بالضرورة وفق دستور 1951 الذي كان مناسباً في زمنه، فقد يُتَّفق على صيغة مختلفة عن الأقاليم الثلاثة المنصوص عليها في هذا الدستور. وربما تكون هناك حاجة الآن لتضمين هذه الصيغة ضوابط تحول دون هيمنة المدن الكبرى داخل الأقاليم التي سيُتفق عليها في حالة نجاح الحوار.
ولا مجال للقلق أو الخوف من أن يؤدي الأخذ بالنظام الاتحادي إلى التقسيم، بل ربما يكون العكس صحيحاً لأنه يساعد في تحقيق التعايش، ومن أهم سماته وجود جيش وطني واحد، وسياسة خارجية ودفاعية موحدة، الأمر الذي يضمن المحافظةَ على وحدة الدولة، ويتيح في الوقت نفسه حريةَ حركة للأقاليم في إدارة شؤونها الداخلية.
كما أن معظم الدول التي أخذت بهذا النظام حققت تقدماً ونجاحاً مشهودين. وتجربة دولة الإمارات العربية المتحدة واضحة للعيان، ومعروفة لكثير من الليبيين. كما أن أكثر الدول الكبرى والصاعدة تأخذ بهذا النظام، مثل الولايات المتحدة والبرازيل والمكسيك في الأميركيتين، وروسيا وألمانيا والنمسا وسويسرا وبلجيكا في أوروبا، والهند وماليزيا إلى جانب دولة الإمارات في آسيا، فضلاً عن كندا وأستراليا.
ويجمع هذا النظام بين المركزية والحكم الذاتي، وكلما أُحسن تحديد صلاحيات كل من الحكومة الاتحادية التي تُمثل مركز الدولة، وحكومات الأقاليم التي تتمتع بحكم ذاتي، كان أداء هذا النظام أفضل وأقوى.
ولهذا فإن لم يكن الحوار حول النظام الاتحادي مفيداً، فلن يضر. 

*مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية