قبل أيام توفي المؤرخ الفرنسي البارز بول فاين أهم مختصي التاريخ الروماني وأحد فلاسفة التاريخ المرموقين. وكنت قد قرأت له في الثمانينيات كتابَه الهام «كيف نكتب التاريخ؟» الذي شكَّل عند صدوره في بداية السبعينيات ثورةً كبرى في الكتابة التاريخية.

لم يسلك فاين في عمله المنحى الماركسي في التطورية التاريخية ولا الطريقة البنيوية في رصد الأنساق والهياكل الثابتة، بل إنه رفض حتى إطلاق صفة العلمية على التاريخ معرفاً إياه بأنه مجرد «رواية حقيقية» (في مقابل الرواية المتخيلة)، والمؤرخ لا يسرد حوادث يكشف فيها عن الماضي بل يبلور «حبكة» تأويلية لربط التحولات والجزئيات في ما بينها وتفسيرها لاحقاً. كان فاين من أقرب الناس للفيلسوف الأشهر ميشال فوكو وقد كتب عنه دراسة عميقة بعنوان «فوكو يحدِث ثورةً في التاريخ» قبل أن يكتب عنه بعد وفاته كتاباً طريفاً تناول فيه جوانبَ أساسية من حياته وفكره.

ليست هذه الجوانب من شخصية واهتمامات فاين التي تشغلنا هنا، وإنما أردنا الوقوف على النموذج الذي كان آخر تجلياته في الفكر الأوروبي، أي المثقف التاريخاني. ولا نعني بالتاريخاني أتباع المدرسة التي تؤمن بالتطور الغائي للتاريخ عبر سردية التقدم الإنساني. وبهذا المعنى كان فاين بعيداً عن التاريخانية التي يستبدلها بنزعة شكية تهكمية عُرف بها لدى قرائه.

ما تعنيه التاريخانية هو ما كشف عنه فوكو في نص شهير حول مقولة «التنوير» التي نشرها كانط في صحيفة ألمانية سنة 1784 من كون التنوير بداية تحول نوعي في الممارسة الفلسفية التي أصبحت تنحصر في قراءة الحاضر والتأمل فيه، أي بعبارته «التأريخ للحاضر» والتفكير في الراهن. لقد اقتحم الفلاسفةُ المعاصرون في أغلبهم حقلَ التاريخ، وأصبح التاريخ لدى الكثيرين هو السياق الجديد للنظر والتفكير في الوضع الإنساني فهماً وممارسةً. لا يحتاج الأمر إلى بيان في الساحة الغربية، والسؤال مطروح بالنسبة للخطاب العربي المعاصر.

وقد لا نجازف بالقول إن المفكر المغربي عبد الله العروي هو المثال الأبرز للمثقف التاريخاني في الساحة العربية، ليس لكونه اهتمَّ بالمسألة التاريخية نظراً وممارسةً من حيث هو مؤرخ بارز ومفكر مقتدر، بل لكونه اتخذ من التاريخية أفقاً للتفكير في مسائل الهوية والتحديث والنهوض التي شغلت غيرَه من المفكرين العرب. منذ كتابه الأول الأساسي «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» (1967) يطرح العروي مفهوم «التاريخانية» منهجاً للفهم والتصور من منظور النقد الموضوعي وبديلاً عملياً لمفاهيم ملتبسة في الوعي الجماعي العربي مقابل الحداثة المختزلة في التقانة والإصلاح المؤسسي الإداري. والتاريخانيةُ تعني بالنسبة له الانخراط في مشروع نقدي ثقافي ومجتمعي واسع يعيد بناء الوقع العربي جذرياً.

ومن هنا لم تكن الكتابة التاريخية بالنسبة للعروي، المتشبع بالفلسفة والعلوم السياسية والتراث العربي الإسلامي، نمطاً من التخصص الأكاديمي والحرفية المهنية، فالمؤرخون وإن استفادوا بصفة واسعة من كتاباته التاريخية يرونه بالأساس فيلسوفاً ومفكراً وليس مجرد باحث راو أو موثِّق.

صحيح أن مسألة «التقدم» استأثرت باهتمام مفكري الإصلاح منذ نهاية القرن التاسع عشر، وهي في عمقها إشكالية تاريخية وإن تم اختزالُها في مفهوم «التمدن» الذي يعني إعادة بناء وتحديث المؤسسات البيروقراطية والعسكرية للدولة. ومع بوادر تشكل الفكر القومي العربي في منتصف القرن الماضي، برزت الإشكالية التاريخية من منظور الوعي القومي بالهوية الحضارية التي تستند على التاريخ محوراً من أهم مقومات الذاتية الخصوصية القومية.

نلمس هذا التوجه بقوة في أعمال ساطع الحصري الذي أعاد قراءة واستخدام شيخ المؤرخين العرب ابن خلدون، كما نلمسه لدى قسطنطين زريق في كتابه الهام «نحن والتاريخ» الصادر في نهاية الخمسينيات.

لقد تركزت مقاربة زريق على ثنائية «التاريخ العبء» و«التاريخ الحافز» التي تفضي إلى فلسفة قومية للتاريخ بنفَس مستقبلي ملتزم. ولقد عرف الخطاب العربي في العقود الأخيرة نمطاً آخر من المثقفين التاريخانيين اهتموا بتاريخ الأفكار في إطار «المسألة التراثية»، إلا أن المنهج الذي غلب على أعمالهم تراوح بين تحليل الخطاب على الطريقة البنيوية والتحليل الأيديولوجي الذي يرصد المحددات السياقية المجتمعية.

لا يتعلق الأمر إذن في الحالتين بالتفكير في التاريخ ذاته ومن داخل حقله المفهومي، وفق المقاربة الجديدة للعلوم الإنسانية التي اعتبر لويس التوسير أنها تدور كلها في فلك «قارة التاريخ» التي تماثل في الأهمية الابستمولوجية قارتي الرياضيات والفيزياء. هكذا نخلص إلى أن التاريخ وإن شكل حقل اهتمام أساسي لدى المثقفين العرب، إلا أن الساحة العربية لم تعرف إلا قليلاً المثقف التاريخاني الذي هو فيلسوف الحاضر ومفكر اللحظة الراهنة.

*أكاديمي موريتاني