عاماً بعد آخر، تزداد معاناة قارة أوروبا مع حلول فصل الشتاء، إما نتيجة للتغيرات والتقلبات المناخية الشديدة أو لتزايد حاجتها لمصادر مستدامة من الطاقة. لكن فصل الشتاء القادم ليس مجرد مرحلة جديدة في هذه المعاناة؛ ذلك أنه يحمل التحدي الأكبر للقارة العجوز في سوق الطاقة العالمية منذ عقود عديدة مضت. فبينما تتجه درجات الحرارة في أوروبا للانخفاض، فإن لهيب الحرب الروسية - الأوكرانية مازال على وضعه المتفاقم، ومازالت سوق الغاز الأوروبية مرتهنة، في جانب مهم منها، للقرار الروسي.

ولمَ لا، وروسيا تورد نحو 40% من الاستهلاك الأوروبي من الغاز الطبيعي، ولم تتردد في استخدم هذا الغاز كسلاح فعال وورقة ضغط على الحكومات الأوروبية، وخصوصاً حكومات ألمانيا وإيطاليا وفرنسا.

ولعل المتمعن في أبعاد أزمة الطاقة التي تعايشها أوروبا حالياً، لن يرى قيام روسيا بقطع إمدادات الغاز عن الدول الأوروبية وحسب، بل سيرى كيف مهدت وكرست السياسات الأوروبية لهذه الأزمة قبل اشتعالها. إذ إن المساعي الأوروبية لتحقيق الريادة العالمية في ملف المناخ، والحاجة للاستدامة البيئية وتخفيض الانبعاثات الكربونية، واعتبارات الكفاءة الاقتصادية، تضافرت فيما بينها لتنتج عدداً من السياسات التي رفعت درجة حساسية الاقتصاد الأوروبي تجاه مصادر الطاقة الآتية من روسيا.

فكيف حدث ذلك؟ إن السعي الحثيث لدول القارة الأوروبية لتولي زمام المبادرة العالمية في مواجهة احترار المناخ، الذي تجلى في اتفاق باريس للمناخ، فضلاً عن حاجتها إلى تحقيق الاستدامة البيئية محلياً، قد ترتب عليه زيادة اعتماد أوروبا تدريجياً على الغاز الطبيعي في كلٍّ من توليد الكهرباء وقطاع النقل والاستخدام العائلي للتدفئة، على اعتبار أن هذا الغاز أكثر تصالحاً مع البيئة.

وبرغم أن النفط مازال هو المصدر الأول للطاقة في أوروبا، فإن الاستهلاك الأوروبي من الغاز اتجه للزيادة منذ عام 2014، ليصل استهلاكها لنحو 397 مليار متر مكعب في عام 2021. وكانت المعضلة أن هذا التزايد في الأهمية النسبية للغاز قد تزامن مع تراجع الإنتاج الأوروبي المحلي منه، لينعكس ذلك على تزايد الميل الأوروبي نحو استيراد الغاز من الأسواق الدولية.

ولئن كانت اعتبارات الكفاءة الاقتصادية الأوروبية تقتضي النزول بتكاليف الاستيراد لحدودها الدنيا، وخصوصاً تكاليف نقل الغاز المسال؛ فكان من الطبيعي أن يترتب على ذلك حدوث تركُّز جغرافي في استيراد الغاز الأوروبي من الجارة روسيا صاحبة الاحتياطيات الأكبر عالمياً من الغاز الطبيعي.

فعبر مد أنابيب الغاز المنخفضة التكاليف، تلبي كبريات الدول الأوروبية احتياجاتها من الغاز الروسي. بيد أن هذا التركُّز الجغرافي، وإن كان قد عزز من تنافسية الإنتاج الأوروبي في الأسواق الدولية في أوقات السلم التي ولّت، فإنه بات الآن هو الخطر الأكبر والآنيّ الذي يهدد الأداء الاقتصادي الأوروبي، ليس فقط في النزول بمؤشرات تنافسيته الإنتاجية، ولكن أيضاً في انتظام دوران عجلات الإنتاج الأوروبي برمتها.