من المهم معرفة أوجه الشبه بين عشرينيات القرن المنصرم وعشرينيات القرن الحالي، كي نقرأ إسقاطاتها على واقع الأمة العربية والإسلامية في حاضرها الذي يفترض نسبياً أن يكون أفضل حالاً بعد مرور قرن على اكتشاف نفسها من جديد بعيداً عن سيطرة «الرجل المريض»، وقريباً من «الرجل الأبيض» صاحب «الكتاب الأبيض. نتصور بأن مدة القرن الذي ولى لم تذهب معها أزماته التي لا زالت تأكل من عمق الأمة العربية والإسلامية الكثير.
ندير على عجالة عجلة ذلك التاريخ الماضي القريب والممتد في حاضره المؤثر في مستقبله. انفرط خلال تلك الفترة الزمنية الطويلة نسبياً الخيط الرفيع للاستقرار، فقد انتقل العالم العربي والإسلامي من حقبة «الاستعمار العثماني»، إلى زمن الاستعمار الغربي بشقيه.
نستطيع القول بأنه رمي من يد عثمانية إلى يد أوروبية غير آمنة إلا على مصالحها على مدى قرن. فلنقم بجرد خلال قرن لـ«مجريات الأحداث من خلالها لمعرفة الفاقد منه والباقي قبل فقده إذا استمرت الأوضاع كما هي. نورد أحداث هذا القرن الذي مضى بأحماله، كي ندرك ثقل ذلك على السياسات الجارية من حول العالم المعولم من حولنا. حربان عالميتان، أزمتان اقتصاديتان، انهيار إمبراطوريتين، العثمانية والسوفييتية، ثلاث حروب خليجية، وعد بلفورو «سايكس بيكو».
لست أركز هنا على ترتيب الأحداث بقدر الإشارة إلى وقوعها، ثلاث حروب إسرائيلية مع العرب، وحرب إسرائيلية مع لبنان وغزة.
والأشد من ذلك هو سيل من الحروب الأهلية التي أكلت أخضر العالم العربي وتركت أيبسه، وعلى رأس تلك الحروب، الحرب الأهلية اللبنانية وحرب أيلول الأسود والحرب في جنوب السودان التي قسمت الدولة شقين، والحرب الأهلية في الصومال التي لم يترقع وضعها حتى الساعة.
غزو بن لادن لأميركا، وغزو أميركي مضاد لأفغانستان ضد «القاعدة»، وللصومال، وحروب روسية في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا.
انهيار عرش الشاهنشاهية، الثورة الخمينية، العالمين العربي والإسلامي، وكذلك أجزاء من العالم الغربي واللاتيني.
بل تأزم العالم العربي أكثر بعد أن غزا «الربيع العربي» عقر دار تونس ومصر وليبيا وسوريا والعراق واليمن والبحرين وكاد أن يلتهم البقية الباقية، لولا وقوف الخليج درعاً واقية أمام زحفه.
تخيل وسط هدير هذا «الربيع» غير المزهر يقفز على العالم فجأة غول الإرهاب والتطرف والعنف، تسمع زئيره عن بعد، وتصم الآذان الواعية عن قرب وتحير العقول الحصيفة.
يمثل هذا الوضع غير المتوقع، مجموعة من الحركات الإسلامية المسيسة، كـ«القاعدة» و«طالبان» و«بوكو حرام»، و«حزب الله». وكان ختام تلك الحركات «داعش» التي لم تقم بشيء أكبر من تشويه صورة الإسلام السمح لدى الآخر من أي مكان في العالم الذي جند جيشاً عرمرم من قرابة سبعين دولة لاجتثاثه.
وصل العالم اليوم إلى حالة من الاستنفار البرتقالي اللون بسبب حالة من اللا استقرار يجوب من حوله، حتى لو كان الأمر يخص الشرق الأوسط، فلا يمكن عزل هذه المنطقة عن أي من العوالم الأخرى.
فالعالم من حولنا متحفز أمنياً إلى حد الوسوسة، فلو تشاجر شخصان كما هو المعتاد في زمان، كان القفز إلى الإرهاب أول عناوينه، وإنْ كان مكان الحادث الفردي في قارة «أنتراكتيكا» التي لا نعرف كيفية الوصول إليها. هذا حصاد قرن مضى، ندعو العقلاء أن يُجروا مقارنة بقرن قبله، ليدركوا أي قرن كان أكثر استقراراً للشرق الأوسط على وجه الخصوص لأنه مركز العالم وممر رئيس لـ«طريق الحرير» ومصدر مهم للطاقة وثروة بشرية لا تضاهيها وفرصة ذهبية، لمن أراد أن يزداد ثراء، ومنطقة واعدة لا يمكن غض الطرف عنها لحظة، وفيها دين وسطي يقبل الجميع بصدر رحب.

* كاتب إماراتي