إدارة العالم بخلق النزاعات والأزمات العالمية الكبرى هي الاستراتيجية الأكثر نجاعةً وفعالية للإمبراطورية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا، وهي طوق النجاة الدائم لإخراجها من الأزمات الداخلية وإضعاف منافسيها واستنزاف مواردهم المهمة، إلى جانب عدم وضع حد وحلول للمنازعات الدولية وإنما تأجيجها وتوجيهها لمصلحتها استراتيجياً، والإمساك بأطراف المنازعات فيما يحقق مكاسب لها، وهو سر المعبد الأكبر لتفوق العم سام في دبلوماسية برجماتية واقعية.
تحديات كبرى يواجهها العالم بعد الركود الاقتصادي بسبب تداعيات جائحة كورونا كأزمة تعد أماً لأزمات تتزامن وتتابع وتمتزج أحياناً في تعقيد متسارع في كل القطاعات وعلى جميع المستويات، ناهيك عن حروب ونزاعات عسكرية وتجارية ومعرفية وتقنية وكوارث طبيعية وشبه طبيعية؛ أي يتداخل الإنسان فيها مع قوى الطبيعة.
ولنفهم الحبكة خلف ذلك، لابد من الرجوع إلى ما قبل الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 عندما فك البنك المركزي الأميركي ارتباط الدولار بالذهب، ولم تعد طابعة العملات الأميركية مغطاة ووصول قيمة الدولار الأميركي على المحك، وعجز في الميزانية الأميركية وهي دولة تستهلك أكثر مما تنتج، والعجز الأميركي مع الصين يبلغ 450 مليار دولار اليوم.
ولم تعد طباعة الدولار تخدم الولايات المتحدة، بل تخدم الصين، وإن كانت أزمة 2008 المالية أنقذت سقوط الدولار الأميركي، فاليوم أميركا في حاجة أكبر من ذي قبل لإنقاذ الدولار وإنقاذ العجز التجاري، وبالتالي التحول لسياسة القرابين وإغراق العالم في فوضى خلاّقة.
وبعد توريط أوروبا مع روسيا نشاهد اليوم انهيار اليورو أمام الدولار، وهروب قرابة التريليون دولار من الأموال نحو أميركا، وهجرة عكسية للأموال والمستثمرين نحو الولايات المتحدة، وستتزايد حتماً الأزمات في الدول الحليفة للولايات المتحدة وذلك لهروب المزيد من الأموال لأميركا كملاذ أخير، وبالتالي ستضعف أميركا كل الاقتصادات الكبرى في العالم بالقدر الكافي الذي يمكنها من العودة للسيطرة على العالم والسيادة للمرة الثانية.
عملت أميركا على جرّ الصين إلى النزاع في تايوان باستفزازات صارخة، وكان لابد بالتالي من رد صيني تمثل في المناورات الصينية بالنيران الحية بحراً وجواً حول وفوق تايوان، ومآلات التصعيد والرد الأميركي بمناورات أميركية في إندونيسيا وإعلانها بأنها ستجري عمليات عبور بحرية وجوية في مضيق تايوان في الأسابيع القادمة، وذلك في استفزاز أكبر للصين بعد أن قامت الأخيرة بتمرين شامل، وكانت المعلومات متاحة للجميع في تصرف غريب لم يتم الاعتياد عليه من الصين، وإن كانت لم تشرك أهم أسلحتها السرية وقدراتها الحقيقية في المناورات وهي تعلم أن الكل يراقبها، ودعوة مفتوحة لمعرفة العقيدة الصينية في الاشتباكات القتالية وهو بالطبع يقع ضمن الخداع الاستراتيجي للخصوم، وفي نفس الوقت تهديد لمصالح أميركا في اليابان وكوريا الجنوبية.
أما أميركا فلم تكتف بمناورات في إندونيسيا، بل نشرت قوات لها على الحدود الهندية القريبة من الصين مما أثار حفيظة بكين، مع التأكيد على أن الصين لن تتخلى عن أمن مضيق تايوان الذي يمثل أهمية تجارية واقتصادية وعسكرية كبرى لها، وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، ولا سيما أن تكنولوجيا أشباه الموصلات تجعل تايوان وشركة مثل TSMC مسألة مصلحة حيوية غير قابلة للنقاش للطرفين، ولاسيما أن الشركة تستحوذ على 56% من الإنتاج العالمي في مجال الرقاقات الإلكترونية، والتي تعد عصب الاقتصاد العالمي وخاصةً في صناعة التسليح المعاصر والمستقبلي، وإن كانت أميركا قد نقلت 30%؜ من تقنيات ذلك المصنع إلى أراضيها، فلا زالت تحتاج إلى 10 سنوات قادمة لنقل كل شيء، بالإضافة إلى ذلك فإن أميركا تضمن من خلال الموقع الاستراتيجي لتايوان حرية الانطلاق من قواعدها العسكرية وانسيابية تمركز أساطيلها وغواصاتها النووية في المحيط الهادئ، فهل تعمل القوتان العظميان على توازن التهديد كبديل لتوازن القوى؟!
* كاتب وباحث إماراتي متخصص في التعايش السلمي وحوار الثقافات