الروس ماضون في مخططهم في حروب الاستنزاف المركبة التي تدمج بين الحرب العسكرية والإرهاق الاقتصادي والمالي عابر القارات الذي يجعل كل دول العالم- دون خيار منها - جزءًا من تلك العمليات، خاصة أوروبا التي ليس لها خيار طويل الأمد ومستدام والشتاء قادم على الأبواب. والنقص في الطاقة لن يكون التحدي الوحيد في ظل عودة الانتشار الواسع لجائحة كورونا، ونقص المواد الغذائية الأساسية وتحديات في الطقس لا يستطيع أحد التكهن بها وبطالة مرتفعة وبطيء في التعافي الاقتصادي، مما يجعل الحكومات الأوربية تحت رحمة القيصر الروسي.

وبدورها تقف روسيا جنباً إلى جنب مع الصين للالتفاف حول النسر الأميركي ومنعه من التحليق إلى الارتفاعات التي أعتاد أن يرى العالم من خلالها، ومفهوم الصدام بين القوى الكبرى التي تهدف إلى أن تشكيل النظام العالمي، تحوّل إلى مفهوم صدام النظم السياسية الأكثر براعة في التحالفات غير المباشرة وغير المعلنة وهي الخطر الحقيقي على السلام العالمي وفي الوقت نفسه الضمان لتخيف حدة التباين الصارخ في ميزان القوى الدولي.

وبالنسبة للجانب الروسي تعتبر منهجية استخدام الأرثوذكسية الروسية كحلقة وصل في الحرب الجيوسياسية القادمة هي نقطة التحول الحاسمة التي قد تجعل العديد من دول الاتحاد السوفييتي السابق في الخندق الروسي، بينما تعتبر أوكرانيا في هذه الأيديولوجية الأوراسية عقبة منذ عشرينيات القرن الماضي، والحديث عن أن أوكرانيا غير أرثوذكسية بشكل كافٍ وهي خطر كبير على مشروع أوراسيا الروسي.

ومن جهتها كانت استراتيجية الولايات المتحدة و«الناتو» هي إدارة الأزمة من خلال افتعال أزمة، وتقف النوايا الخفية للولايات المتحدة و«الناتو» خلفها وذلك بغرض إنهاء نظام بوتين واستبداله بنظام صديق للولايات المتحدة وخاضع لها، حيث أن السيطرة على أوراسيا أمر حيوي وأولوية حرجة للولايات المتحدة وطموح عدم سلبها هيمنتها في النظام العالمي. وكان لابد أن تكون مواجهة مباشرة للأيديولوجية الأوراسية الروسية وجعل أوكرانيا كبش فداء على رقعة الشطرنج الأوروبية الآسيوية، حيث أن الوجود الأميركي في أوكرانيا نسخة غير دينية للتواجد الإيراني في العراق.

وبدورها تراقب الصين أزمة أوكرانيا واستراتيجية الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وهي تعلم أنه من دون اندماج أوكرانيا في روسيا أو تحالفها الوثيق معها سيحرم روسيا من مشروع إمبراطورية أوراسية، ولذلك كان الهدف الأميركي الراسخ هو دفع أوكرانيا بعيداً عن روسيا كخطوة رئيسية نحو تقييد الاستراتيجية الروسية والاستراتيجية الصينية البعيدة أيضاً، وبالتالي الحفاظ على تفوق الولايات المتحدة.

وأما الصين تريد أن يكون في وجه أميركا خط دفاع متقدم وفي الوقت نفسه لا تريد روسيا قوية بالقدر الذي يشكل تهديداً لمشروعها الأكبر الذي سيمكنها من السيطرة على ثلثي العالم عبر منطقة آسيا والمحيط الهادئ وأفريقيا ووسط وشرق أوروبا. فهل تنجح الولايات المتحدة و«الناتو» في نصب فخ ثاني من خلال القضية الأوكرانية؟

بعد فخ التدخل الروسي العسكري تماشياً مع نصيحة الجهات الاستخبارية التي قدرّت أن التدخل سيكون لمجرد أسابيع وسيتم السيطرة على الوضع بالكامل! وتجاهل تقدير القيادات العسكرية الروسية الواقعي للموقف، وبالتالي الزج بالجيش في الوحل الأوكراني ولربما أصبحت أوكرانيا هي فيتنام الروسية.

من جهتهم يرى الاستراتيجيون الغربيون أن الصمود الأوكراني ضد الجيش الروسي سيساعد في تأجيج الأوضاع الداخلية في موسكو، وهم معتقدون أنه كلما طالت قدرة الأوكرانيين على الحفاظ على المقاومة وإبقاء الجيش الروسي في ورطة، كلما زادت احتمالية تأزم نظام بوتين، وهو ما يسمى بالسياسة الواقعية، ولذلك فلا غرابة أنه منذ عام 2015 تشرف وكالة المخابرات المركزية على برنامج تدريب سري مكثّف في الولايات المتحدة لقوات العمليات الخاصة الأوكرانية النخبة وأفراد الاستخبارات، والتي يمكن أن تلعب قريباً دوراً حاسماً على الحدود الشرقية لأوكرانيا.

* كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.