تلقي موجة الحر غير المسبوقة التي تحتاج أوروبا والولايات المتحدة وآسيا أيضاً الضوء مجدداً على المخاطر المترتبة على التغيرات المناخية، وتظهر مدى التهديد الذي يمثله التدهور البيئي على حياة الناس في كل مكان، بل وعلى مستقبل الحياة البشرية والحيوانية ككل. ومع تفاقم مشكلة التغير المناخي، أصبحت الكوارث الطبيعية وظواهر الطقس الخطرة أكثر تكراراً وشدة وخطورة، حيث يواجه الناس في المدن والبلدات في العديد من مناطق العالم موجات الحر وحرائق الغابات والعواصف الساحلية والفيضانات، ... إلخ.

والحقيقة أن ارتفاع درجات الحرارة في العديد من مناطق العالم ليس جديداً، وهو يخضع لدورات طبيعية معتادة، يشهدها الكثير من الدول سنوياً، ولكنه ظل في العموم على مدار التاريخ ضمن المتوسط الطبيعي والمقبول الذي يمكن للناس أن يتعايشوا معه.

ولكن الموجات التي اجتاحت العديد من دول ومناطق العالم مؤخراً، وخاصة في السنوات القليلة الماضية وهذا العام على وجه الخصوص، ولا سيما في أوروبا، ليست مسبوقة على الإطلاق، حيث سجلت معدلات قياسية في بعض الدول مثل بريطانيا التي تجاوزت فيها درجة الحرارة حاجز الـ 40 درجة مئوية لأول مرة في تاريخها، وقد تصل إلى 42 درجة مئوية. وكذلك الأمر في دول أوروبية أخرى مثل فرنسا وبلجيكا، وفي الولايات المتحدة وآسيا؛ ما ينذر بمخاطر حقيقية على حياة الناس، خاصة وأن سكان تلك المناطق لم يعتادوا مثل هذه المستويات العالية من الحرارة.

الأمر الذي يشكل خطراً حقيقياً على حياتهم، وبالفعل فقد توفي أناس بسبب موجات الحر بشكل مباشر أو غير مباشرة. لا تقتصر مخاطر ارتفاع درجات الحرارة على التأثير المباشر على الأفراد، حيث يمكن لهم التكيف معها في ظل التكنولوجيا المتطورة في مجال التبريد ووسائل الراحة المختلفة في البيوت أو أماكن العمل أو حتى الأماكن العامة. ولكن هناك مخاطر أخرى أيضاً قد تكون كارثية بالفعل؛ وأهمها بالطبع الحرائق التي تقع في الغابات وامتدت منها للبيوت والمدن المتاخمة لها، كما حدث في بريطانيا وشبه الجزيرة الإيبيرية وفرنسا وتونس خلال الأيام القليلة الماضية.

ويأتي تزايد موجات الحر وتكرارها نتيجة مباشرة للاحتباس الحراري كما يرى العلماء والمختصون، حيث تزيد انبعاثات الغازات الدفيئة من حدتها ومدتها وكذلك تواترها. وتمتص الغازات الدفيئة، مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان، الحرارة التي ترتد إلى سطح الأرض، ما يتسبب في ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية. وتعد الأنشطة البشرية الأخرى مثل إزالة الغابات والزيادة في التلوث من أهم العوامل المسؤولة عن ظاهرة الاحتباس الحراري.

ويتسبب التغير المناخي أيضاً في اضطراب حركة الأمواج وارتفاع مستويات سطح البحر، وذوبان الأنهار الجليدية، وارتفاع درجة حرارة المحيطات ما يلحق ضرراً مباشر بالحيوانات، ويدمر الأماكن التي تعيش فيها. إذن، العالم في خطر، وما لم يتم التعامل مع التحدي المناخي بشكل عاجل دون تأخير أو تردد، وهو ما يتطلب تعاون الجميع بل والتضحية، فإن مستقبل الإنسان على هذا الكوكب سيكون في خطر غير مسبوق.


مركز تريندز للبحوث والاستشارات.