تدرك الولايات المتحدة أن الشراكة مع الدول العربية أمر مهم، ومطلوب لتأكيد وتوطيد أركان الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، ومناطق التماس المجاورة، ومن ثم فإن تحرر بعض الدول العربية من بعض ضوابط، ومعايير هذه العلاقات التاريخية يتطلب مراجعة وقراءة شاملة، ومن زاويا متعددة.

ولهذا فإن الرئيس جو بايدن يأتي للشرق الأوسط في ظل حالة جديدة وصراع دولي مفتوح على مصراعيه إضافة لوجود تشكك أميركي من أن الدول العربية الكبيرة يمكن أن تقول لا لبعض السياسات، أو على الأقل عدم تقبل ما يطرح أميركياً مما سيمثل خطراً حقيقياً على مسارات، واتجاهات العلاقات العربية الأميركية.

فهدف الإدارة الأميركية العمل على تصويب اتجاهات العلاقات العربية الأميركية على أسس محددة بعدما تحفظت الدول العربية على عدم المشاركة في المفاوضات النووية مع إيران، كما لم تكلف نفسها الاستماع لمتطلبات الأمن المنشودة عربياً، ولم تتعامل بجدية مع الملفات الفلسطينية والليبية واليمنية وأمن الإقليم، واكتفت دائماً أن تكون في موقف رد الفعل بل وتركت وكلاء إيران في الإقليم يهددون أمن الدول العربية، وهو ما أضعف  ثقة الدول العربية  في الإدارة الأميركية والتي تحدث من قبل عن خيار حل الدولتين، ومع ذلك لم تطرح تصوراً، ولم تستطع أن ترغم الحكومة الإسرائيلية على وقف أعمال الاستيطان، ولم تفتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، كما وعدت بل ولم تعط أمراً فيدرالياً لفتح القنصلية الأميركية في شرق القدس.

كما استمر الدعم الأميركي لإسرائيل في تمويل برنامج التحديث لمنظومة القبة الحديدية، والاتفاق على تمويل موازنة الطواريء لمنظومة الليزر المبتكرة، وهو ما يؤكد على الدعم اللامحدود للجانب الإسرائيلي، إضافة لتقديم دعم مالي جديد يتجاوز الـ39 مليار دولار المقررة منذ إدارة الرئيس أوباما، وعلى عشر سنوات، والمعني أن الإدارة الأميركية تتعامل مع المشهد الإسرائيلي الذي يعاني حالة من عدم الإستقرار بسبب تتالي إجراء الإنتخابات التشريعية، وافتقاد الجانب الإسرائيلي رؤية التعامل مع الجانب الفلسطيني، والاكتفاء بالانخراط في مشروعات التعاون الإقليمي، وهو ما يؤكد على أن استئناف أية اتصالات مؤجل.

تحتاج العلاقات الخليجية الأميركية إلى مسار أكثر واقعية وفاعلية، وهو ما يجب أن تدركه الإدارة الأميركية التي تتخوف من أن تتبني الدول الخليجية مواقف أكثر راديكالية خاصة في ملفات الطاقة، والغاز برغم أنه لم يحدث أي تغيير في سياسات «أوبك بلس»، ولكن تفاعلات واحتمالات تطور المشهد الإستراتيجي في الحرب الروسية الأوكرانية، والانتقال إلى مرحلة أخرى، قد تنجم عنه سياسات أخرى خاصة أن استمرار محاصرة روسيا غربياً وأميركياً سيكون له ارتدادات متوقعة بعد أشهر من فرض منظومة العقوبات، والتي تتطلب أميركياً إعادة ترتيب الحسابات والسياسات، واعادة تأكيد مضمون الشراكة خاصة أن الإدارة الأميركية تدرك أن هناك تحفظات عديدة عربياً برغم ما يجري من تأكيدات بخصوصية العلاقات الأميركية العربية، وعدم تأثرها بأية متغيرات طارئة..

إستراتيجيا فإن ما يطرح في إطار ترتيبات أمنية سيحتاج إلى مزيد من الوقت لاتمامه خاصة أن هناك بعض التحفظات العربية على منظومة التهديدات والمخاطر التي تهدد الأمن القومي العربي، والتي قد تتماس مع مرتكزات الأمن الشرق الأوسطي، وهو ما يجب تفهمه أميركيا بالأساس مع عدم رفض أية توجهات تدعو للتأكيد على المصالح العربية الكبري، والتي يجب أن تكون لها الأولوية على أي إعتبارات أمنية أخرى.

تحتاج العلاقات العربية الأميركية لتصويب مسار، والتركيز على ما يحقق للدول العربية متطلباتها في مواجهة ما يجري من متغيرات اقليمية ودولية.

* أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية والعلوم السياسية.