مركز تريندز للبحوث والاستشارات أعادت المظاهرات المتفرقة التي عمت مدناً مختلفة في ليبيا قبل أيام إلى الأذهان تلك الظروف التي دفعت الشعب الليبي للخروج إلى الشارع في عام 2011، حيث يطالب الناس بتنحي الطبقة الحاكمة بسبب ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية المتردية في البلاد، بينما تصر النخب السياسية على الاستمرار في السلطة بحجة أن الحل في الانتخابات. هذه بالطبع ليست المرة الأولى التي يخرج فيها الليبيون في السنوات الأخيرة للاحتجاج على ظروفهم الصعبة، ولكنها الآن تكتسب أهمية خاصة بحكم التوقيت والظروف السياسية المعقدة التي تشهدها البلاد مع استمرار الصراع على السلطة، بينما تتدهور أحوالهم على كل المستويات.

فأمنياً، لا تزال البلاد تعاني انفلاتاً عاماً بسبب تعدد القوى الأمنية والولاءات المناطقية والفئوية. وسياسياً، البلادة منقسمة مجدداً بين حكومتين؛ إحداهما في الشرق برئاسة فتحي باشاغا ويدعمها مجلس النواب وتطالب بحقها في الحكم استناداً إلى شرعية مجلس النواب الذي انتخبها وأعطاها الثقة، والأخرى في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبه الذي يرفض تسليم السلطة إلا لهيئة منتخبة، رغم أن الاحتجاجات تطالب برحيل الجميع، وهو من ضمنهم. أما اقتصادياً فالبلاد التي تسبح على بحار من النفط فضلاً عن مواردها الطبيعية وما تجود به شواطئها الطويلة، يعاني شعبها ظروفاً معيشية صعبة جداً.

وما يفاقم من المشكلة، بل ويغذيها وجود الفصائل والميليشيات المسلحة التي تتبع الأطراف السياسية وتصطف إلى جانب كل فريق سياسي على حدة. ولهذا كله، فقد ضاق الليبيون أخيراً ذرعاً بهذه النخب، وخرجوا إلى الشوارع والساحات مطالبين بتنحي الطبقة السياسية، التي عجزت عن تحقيق أبسط طموحاتهم في الأمن والاستقرار والعيش الكريم، وهم يطالبون بحل البرلمان وجميع الحكومات، وأن يتولى المجلس الرئاسي الإشراف على الانتخابات وتنفيذها.

وقد استجاب المجلس الرئاسي، وأعلن أنه "في حالة انعقاد مستمر ودائم حتى تتحقق إرادة الليبيين في التغيير، وإنتاج سلطة منتخبة يرضى عنها الليبيون".. ولكن هل هذا يحل المشكلة؟ الحقيقة أن الأزمة في ليبيا معقدة ومتشابكة؛ وسببها الرئيسي من حيث المبدأ هو الصراع على السلطة على أسس مناطقية بالدرجة الأولى.

وبرغم تراجع التدخلات الخارجية مؤخراً والتي غالباً ما كان يُلقى عليها باللوم، بل ومع وجود توافق إقليمي ربما غير مسبوق منذ اندلاع الأزمة على دعم العملية السياسية والحرص على تجنب تأييد طرف دون الآخر، فلم يتمكن الليبيون بعد من تحقيق تقدم يذكر في المفاوضات الجارية برعاية أممية بشأن الدستور الذي ستجري على أساسه الانتخابات؛ ولهذا فالشعب الليبي فعلياً في ورطة.

فالكل تقريباً يرى أن الحل في الانتخابات، والانتخابات تبدو بعيدة المنال في ظل الخلافات الحادة بين طرفي الحوار بشأن الدستور، ما يعني أن الأزمة ستستمر، بل وقد تتفاقم. وما لم تدرك النخب السياسية خطورة الأمر وتتنازل للتوصل إلى حلول وسط ترضي الجميع، فإن الوضع في ليبيا يبدو مرشحاً لمزيد من التصعيد، لا سمح الله.

مركز تريندز للبحوث والاستشارات