لم تترك الأزمة الأوكرانية قطاعاً اقتصادياً، إلا وأصابته بضرر، ابتداءً بسلاسل الإمدادات، بما فيها الغذائية والقطاع المصرفي والمالي والصناعي، إلا أن القطاع الأشد تأثراً كان قطاع الطاقة، فبعد سنوات طويلة من الحديث عن التخلي عن النفط ومصادر الطاقة الأحفورية بشكل عام، انقلبت الأمور رأساً على عقب، فتناست البلدان التي تزعَّمت التخلي عن النفط مواقفَها وبرامجَها السابقةَ الخاصةَ بمكافحة التلوث، ولم تكتف بزيادة طلبها على النفط والغاز، وإنما عادت للوراء سنواتٍ طويلةً لتستخدم الفحمَ الحجريَّ لتوليد الطاقة الكهربائية، وهو أمر مثير للغاية.

وعلى سبيل المثال اتخذت الحكومة الإيرلندية قبل عامين عدةَ قراراتٍ تتعلقُ بوقف منح رُخَصٍ جديدة لاستخراج الغاز ومنع استيراد الغاز الصخري، كما اتخذت كل من بولندا وجمهورية التشيك قراراتٍ تتعلق بالتخلص من الفحم.

وفي تقرير لمؤسسة «ايمبر المستقلة للأبحاث»، جاء أنَّ توليدَ الكهرباء بالفحم انخفض في النصف الأول منذ عام 2020 بنسبة 95% في البرتغال، وبنسبة 50% في كل من فرنسا والنمسا وهولندا، كما انخفض بنسبة 39% في ألمانيا التي سبق واعتمدت خطة بقيمة 45 مليار دولار لإغلاق جميع محطات الفحم، فيما أغلقت السويدُ كافةَ هذه المحطات.

وبعد سنتين من هذا التوجه الأوروبي القوي للتخلي عن الفحم، اتخذت تلك الدولُ اتجاهاً متناقضاً تماماً، حيث أعلنت العديدُ من دول الاتحاد الأوروبي، بما فيها ألمانيا وهولندا والنمسا والدنمارك، العودة لتشغيل محطات الطاقة العاملة بالفحم، في محاولة لتقليل الاعتماد على وارداتها من الغاز الروسي أو التعويض عن النقص الناجم عن قطع روسيا الغاز عن البلدان التي لم تستجب للمتطلبات الروسية، وبالأخص دفع مشتريات الغاز بالروبل، مثل بولندا. وهنا تبرز بعضُ التساؤلات الخاصة بهذا التوجه الأوروبي الجديد: هل يمكن للفحم أن يعوّض واردات الغاز الروسي؟ وهل محطات الطاقة العاملة بالفحم يمكن أن تلبي الطلبَ المتنامي على الطاقة الكهربائية، وبالأخص خلال فصل الشتاء القادم؟

وبالنسبة للتساؤل الأول، فإن معظم محطات الفحم قد أُغلقت في العديد من البلدان الأوروبية ولم يبق إلا القليل منها، ولا يمكنه بحال من الأحوال تقديم بدائل للغاز الروسي الرخيص نسبياً، والذي لا غنى عنه في الوقت الحاضر. ويقودنا هذا للتساؤل الثاني الخاص بزيادة الطلب على مصادر الطاقة في الشتاء، حيث لا يمكن للمصادر البديلة للغاز الروسي أن تلبِّي هذا الطلبَ، فالفحم تراجعت نسبته في السنوات الأخيرة، إضافة إلى حجم التلوث الذي يحدِثه ويساهم في زيادة الاحتباس الحراري وما يرافقه من كوارث طبيعية أحدثت خسائرَ كبيرةً في العديد من البلدان.

وإذا كان الأمر كذلك، فما هو الهدف من الحديث المكثف عن العودة لعصر الفحم؟ لقد جاء هذا التوجه بعد تراجع صادرات الغاز الأميركي لدول الاتحاد الأوروبي بسبب نقص الإمدادات المحلية في الولايات المتحدة، والذي تسبب في ارتفاع الأسعار وأثار بعضَ التذمر الاجتماعي هناك، مما يعني أن الترويجَ المبالَغَ فيه للفحم ما هو إلا للتخفيف من الآمال التي عُلِّقت على واردات الغاز الأميركي، وهو عامل دعائي أكثر منه بديلا عمليا للنقص الحاد المتوقع للغاز، والذي سيلحق ضرراً كبيراً بالاقتصادات الأوروبية. وضمن العمل الدعائي الأوروبي اتخذت روسيا إجراءات عملية ودعائية في نفس الوقت، فأعلنت في البداية عن تقليص إمدادات الغاز لأوروبا عن طريق خط «نورد ستريم1» لأسباب فنية!

ثم عادت مرة أخرى لتعلن عن وقف الخط بشكل كامل اعتباراً من 11 يوليو الجاري بسبب إجراء أعمال صيانة سنوية! مما دعا وزير الاقتصاد الألماني «روبرت هابيك» للإعراب عن تخوفه من حدوث انقطاع تام لواردات الغاز الروسي، مضيفاً أن «المشكلةَ الفنيةَ التي أبلغت عنها روسيا في إمدادات الخط ما هي إلا ذريعة لخفض هذه الإمدادات».

إذن، الطرفان يلعبان لعبة «توم آند جيري»، فموسكو تعرف جيداً أنه لا يمكن لدول الاتحاد الأوروبي الاستغناء عن الغاز الروسي، ودول الاتحاد تحاول إثبات عكس ذلك، حيث تلعب الحرب النفسية دوراً خلال محاولة التأثير في سياسات أضحت واضحةً للطرفين.

*خبير ومستشار اقتصادي